بعد 38 عاما.. ما الجديد في غزّة ؟*
 
بقلم: مفتاح السيّد الشريف
 

 
في سنة 1971 توليت منصب ممثّل الجامعة العربيّة بروما، خلفا لبهاء الدين طوقان والد الملكة عالية زوجة حسين ملك الأردن (عملت طابعة على الآلة الكاتبة العربيّة بالسفارة الليبيّة هناك، ثم بشركة الطيران الأردنيّة، حيث قابلها الملك فتزوّجها. وقد لقيت حتفها في حادث طائرة). كانت سنة تعج بأحداث خطيرة متسارعة في منطقتنا العربيّة، السّادات متململ من حالة "لاحرب ولا سلم"، ونشاط المقاومة الفلسطينيّة يتصاعد داخل وخارج الأراضي المحتلّة، منطلقا بقيادة فتح من عقال الأنظمة العربيّة المنهزمة في حرب 1967.
 
كانت غزّة محاصرة وعمليّات تهويد القدس قد بدأت. وعملتُ على أن يجتمع مجلس السفراء العرب شهريّا بانتظام لدراسة التطوّرات والقيام بالتحرّكات، وذلك بمقرّ مكتب الجامعة العربيّة الذي كنت أديره بمساعدة معاون وملحق مالي مصريين وسكرتيرة إيطاليّة، إضافة إلى استمراري في عملي السّابق كضابط إتصال لمقاطعة إسرائيل في إيطاليا، مع استضافة المكتب لمندوب فتح (كان الشهيد وائل زعيتر المثقّف المناضل الوديع، وأوّل من اغتالته الموساد بعد عمايّة الرياضيين الإسرائيليين في ميونيخ عام 1973، إذ أنزلته في تلك الليلة من سيارتي أمام شقّته، بعد عشاء عمل تناولناه في بيت رئيس نقابة عمّال المعادن أكبر النقابات الإيطاليّة. وفي صباح اليوم التالي تعلمني صديقته الرسّامة الأستراليّة بمصرعه على سلّم العمارة وهو يحمل زجاجة حليب وأرغفة الإفطار. ثمّ تسلّمت رسالة من الموساد بأنني سأكون الضحيّة القادمة! وحلّ محلّه نمر حمّاد المستشار الحالي لمحمود عبّاس، والناطق هذه الأيّام الذي لا يستحي بالإستسلام. وكان سلوكه الشخصي في روما، بعد تركي للعمل فيها، مؤذيا لقضيّة فلسطين. وقد أمضى في مهمّته حوالي عشرين سنة. ولكن هذه قصّة أخرى!).
 
سأكتفي الآن بالحديث عن غزّة التي أقامت مقاومة شعبها المستبسلة العالم، ولن تُقعده حتى ينال حريّته وحريّة فلسطين. ففي يوليو 1972 أصدر المكتب كتابا موثّقا من إعدادي عن غزّة بعنوان "غزّة مدينة محاصرة.. كفاح من أجل الحريّة"، يرى القارئ صورة غلافه. وقد اشتمل على دراسة لإجراءات قمع جيش الإحتلال الصهيوني لشعب القطاع بعد سقوطه في هزيمة 1967. كان المخطّط هو تهجير سكّان مخيّمات اللاجئين فيه إلى العريش المصريّة وصحراء سيناء، وكلاهما في قبضة الإحتلال. والهدف من وراء تهجير السكّان هو ضمّ القطاع إلى الكيان الإسرائيلي. وقد شبّهنا ذلك بالمخطّط الذي طبّقه هتلر قبل الحرب العالميّة الثانية والمسمّى "بالمجال الحيوي" Lebensraum، وصاحب ذلك هدم بيوت الفلسطينيين في "جباليا" و"الشطّ" وتشتيتهم وإرغامهم على البحث عن مأوى داخل غزّة المدينة المكتظّة بسكّانها. ثمّ سيّجت قوات الإحتلال حدوده مع إسرائيل بالإسلاك الشّائكة. وفي تصريحه لجريدة معاريف في 20 أغسطس 1971 قال الحاكم العسكري للأراضي المحتلّة الجنرال شلومو جازيت: "لقد وفّرنا مأوى لحولي 360 أسرة فقط و300 أسرة أخرى عليها أن تتجّه إلى المدينة بينما تاهت بكلّ بساطة 400 أسرة!". علّق لاجئ مسنّ للجريدة:"لقد حشرونا في العريش. وهذه مدينة مصريّة وليست فلسطينيّة. نريد أن نعيش في قطاع غزّة لأنها جزء من فلسطين. وإذا أردتم طردنا من القطاع، فخذونا إلى منازلنا في فلسطين حيث أجليتمونا عنها". وتنشر النييورك تايمس صرخة لعجوز آخر:"نفضّل أن نأكل تراب غزّة على أن نذهب إلى العريش. وعندما اعتقل اليهود في روسيا، يعرف جميع العالم ماذا جرى.. ألسنا نحن أيضا من الجنس البشري؟".
 
في 14 أغسطس أعلن أهل غزّة الإضراب العام لمدّة أسبوع. وكان السلاح المدني الديموقراطي الوحيد بأيديهم. فماذا فعلت قوّات الإحتلال؟ ختمت بالأحمر على المتاجر المغلقة، ونزعت رُخص القيادة من سائقي التاكسي والحافلات المضربين. وفي 20 أغسطس يعلن الجنرال جازيت في تفس معاريف قائلا: "سيفشل الإضراب في اليوم التالي، فنحن لم نشأ أن نستعمل أساليب غير ديمقراطيّة لسحق الثورة"!. ويعلن يوسف تيكواه مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة (وثيقة 8363 بتاريخ 19 أغسطس 1971) "لقد اضطّرت السلطات لاتخاذ إجراءات ضروريّة لتأمين السلام والأمن في مخيّمات اللآجئين، وهو ما استدعى بناء الطرق عبرها، وهذا أدّى إلى هدم بعضها". وفي نفس الجريدة يكتب يوم 29 أغسطس جولا كوهين:"ليس هدفنا بناء مستعمرات في قلب مستعمراتهم، أو مجرّد نقل بضع مئات من العائلات لتسكن هنا وهناك في القطاع. بل هو تشتيتهم كليّا في مناطق يوهودا وشمرون وسيناء. وهدفنا ليس توسيع الشوارع في المخيّمات، بل بناء مستوطنات من شأنها تحطيم القطاع". أمّا وزير المواصلات شيمون بيريز (سفّاح قانا ورئيس إسرائيل الآن)، فقال للجارديان في 30 يوليو 1971: "من الواجب تضييق مساحات المخيّمات لأسباب إجتماعيّة"! وقد رأيناه في مجزرة غزّة الأخيرة عندما ظهر على شاشة الجزيرة يقول متشنّجا والزبد ينطلق من فمه، إن أبو مازن مثلنا مقتنع بأن حماس هي المسئولة عما يلحق بسكّان غزّة.. وعلى العرب أن يوقفوا الدعاية.. وأنا عملت طول عمري من أجل السلام!
 
وقد سرد الكتاب نبذة تاريخيّة عن القطاع عبر محطّات العهود الزمنيّة إبتداء بالعرب الكنعانيين (حيث سكنها الشعب الفلستي المتفرّع عنهم في المنطقة ما فوق رفح من غزّة – عسقلان – أشدود حتى يافا) ثم الفراعنة في عهد تحتمس الثالث. وفي 1200 قبل الميلاد تغلغل الفلستينيّون في الهضاب الساحليّة الشرقيّة لفلسطين واتخذوا من غزّة عاصمة لهم، واستمرّ حكمهم حتى في عهد داود وسليمان. ثم توالى عليها الأشوريّون والأسكندر الأكبر والبطالمة والكلدانيّون والمكابيون والرومان، إلى أن إعتنقت الإسلام في 634 بعد الميلاد. وفي 1244 حرّرها السلطان بيبرس من الصليبيين، ثم حكمها العثمانيّون إلى أن إحتلتها في 1917 قوّات لبجنرال أللينبي لتصبح مع بقيّة فلسطين تحت الإنتداب البريطاني منذ سنة 1919. وجاء قرار الأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947 ليضمّ القطاع إلى الدولة العربيّة المفترضة. وخلال نكبة 1948 تدفّقت عليها أمواج اللآجئين، وقرّرت الجامعة العربيّة التي شاركت قوّات دولها في الحرب ضد الإغتصاب الصهيوني، أن دخولها لا يشكّل إحتلالا أو تقسيما لفلسطين. وفي 1949 أصبح القطاع بموجب إتفاقيّة الهدنة المصريّة الإسرائيليّة تحت الإدارة المصريّة المؤقتة، ولم يُضمّ إلى الدولة المصريّة، أي أنه في الفترة من 1949 – 1967 مارس القطاع نوعا من الحكم الذّاتي فيما يتعلّق بإصدار القوانين والتبعيّة، بخلاف االضفّة الغربيّة التي أُلحقت بالمملكة الأردنيّة. وفي عام 1955 أصدرت حكومة الثورة في مصر القانون رقم 255/1955 بالتصديق على إسم "قطاع غزّة" معترفا بالدستور الفلسطيني لسنة 1922 الذي نشأ القطاع بموجبه، والهدف من القانون هو المحافظة على الطابع الفلسطيني للقطاع. ثم جاء الغزو الصهيوني سنة 1956 الذي دام لستّة أشهر إلى أن دخلت قوّات الطوارئ الأمميّة التي أشرفت على انسحاب القوّات الغازية، وعودة الإدارة المصريّة. وفي 1962 أكّدت الحكومة المصريّة الوضع الخاص للقطاع حين أصدرت دستورا مؤقّتا له"يعتبر فيه المجلس التشريعي الفلسطيني كأعلى سلطة تشريعيّة في المنطقة... مقرّرا حريّة المواطنين الفلسطينيين والهويّة الفلسطينيّة في كلّ جوانبها". إلى أن أحتلّته إسرائيل في هزيمة 1967.
 
واحتوى الكتاب على فصول عن إقتصاد غزّة المحتضر وأوضاعها الصحيّة والإجتماعيّة المزرية، مع نشر وثائق وكالات الأمم المتحدة وحقوق الإنسان - بما فيها الإسرائيليّة التي سكتت هذه المرّة عن المذابح الأخيرة، وقد أحصت عدد المساكن التي هدمتها قوّات الإحتلال في المناطق المحتلّة فبلغت 7554 في الفترة من 1967 – 1969 فقط، منها 954 مسكنا في القطاع- وكذلك نُشرت في الكتاب تصريحات قادة الإحتلال والتي أعلنت صراحة عن مخطّط ضم القطاع إلى الكيان الصهيوني بعد تهجير أهله، مثل قول الجنرال بارليف قائد الأركان: "سنعزل القطاع من البرّ والبحر حتى لا تأتي التجهيزات والتعزيزات للإرهابيين- جيرولازيم بوست 22 سبتمبر 1971" وموشي دايان وزير الحرب صرّح عند إحتلال القطاع "قطاع غزّة هو إسرائيل"!
 
بعد هذه النبذة المختصرة عن غزّة وكفاح شعبها وعزيمته التي لم ولن تُقهر على الصمود، نترك القارئ لكي يستخلص ويقارن بين اليوم والبارحة. ولكن من ناحيتنا نجمل تطوّرات الوضع والرأي كما يلي:
 
• بعد إتفاق إوسلو المشئوم والذي جاء معه أبو مازن وزمرته، سُمح لسلطة عرفات سنة 1994 بإدارة القطاع. وكانت الإنتفاضتان قد ولّدتا جيلا جديدا نشأت في غمرته "حماس" وتجذّرت في أرضه وبين شعبه، كونها رفعت سلاح المقاومة بلا هوادة. ثمّ توالت التداعيات إلى أن حوصر عرفات في مكتبه الذي أصبح مرمى للقنابل الإسرائيليّة حتى أثناء إنعقاد قمّة العرب في بيروت سنة 2002، حيث أقرّت مبادرة فريدمان- عبد الله السعودي. وقُتل بعدها عرفات مسموما. وحين جيئ بمحمود عبّاس، صمّمت أمريكا والغرب على تطبيق نظام الإنتخابات الديمقراطيّة للتخلّص من حماس، ولكنّها خاضتها بشروطهم وشروط "فتح" أبي مازن، ففازت فوزا ساحقا في المجلس التشريعي. وهنا فاحت رائحة فساد زمرة فتح الجديدة القديمة، وبانت مراميها الخفيّة في الإستسلام تحت ظلّ المفاوضات التي لاتنتهي، إلى أن حدث التوافق فالتآمر فالإنقسام القائم الآن وسط أشلاء ودماء أهل غزة. وأفرز هذا الإنقسام إنقساما آخر في النظام القومي العربي بولادة قمّة الدّوحة التي حضرتها قوى المقاومة، ظهرت فيها تركيا وإيران كلاعبين في الصراع بشكل صريح لأوّل مرّة. وهي ظاهرة صحيّة وعامل فاصل. وقمّة شرم الشيخ التي استنجد بها الرئيس المصري لتنقذ مبادرته المغدور بها من إسرائيل، وكذلك قمّة الكويت التي هدّد فيها ملك السعوديّة بعدم بقاء مبادرته على الطاولة إلى الأبد، رغم أن إسرائيل وضعتها منذ إنطلاقها تحت الطاولة، نقول إن كلا القمّتين لم تستطيعا وأد ميلاد تكتّل إقليمي جديد ستكون له تأثيرات تغييريّة على الجغرافية السياسيّة للإقليم.
 
• الجديد بعد الصمود والمقاومة المستبسلة : أنه لأوّل مرّة يحارب شعب فلسطين على أرضه وحيدا، وهو الأعزل إلاّ من الصواريخ قصيرة المدى والبنادق، رابع أقوى الجيوش في العالم تلبّي أمريكا والإتحاد الأوربّي كلّ ما يريد، بينما خذلت الأنظمة العربيّة المتهالكة الشعب الجريح، ولم تسعفه بالمدد إلاّ تظاهرات الشعوب العربيّة وشعوب العالم في أوّل ظاهرة مهيبة، وتعاطف جماهيري عالمي تناله قضيّة فلسطين المفترى عليها لمدّة ستين عاما. ولأوّل مرّة تنطلق المطالبات بمحاكمة قادة الكيان الصهيوني أمام القضاء الدولي حتى من أوساط الأمم المتحدة ممّا جعل الصهاينة يمنعون نشر أسماء قادة الإجتياح خوفا من القضاء الدولي المتربّص. ولأوّل مرّة تصبح "غزّة هي فلسطين" وليس كما قال عنها موشي دايان!
 
مفتاح السيّد الشريف
 
* هذا المقال جواب إلى من سألني لمَ لم تكتب عن غزّة.

 

Palestine Then and Now Summary of History of Palestine Gaza Invasion Gaza Massacres Genocide in Gaza Israel's Use of White Phosphorous over Gaza Viewers Letters Boycott Israeli Goods and Products ما الجديد في غزة؟ فلنساند غزة! What Really Happened On The Gaza Freedom Flotilla? ALFAHOME