وجهة نظر مختصرة

تراكم الكنائس في كل أرجاء بنغازي وضواحيها

 لقد قمت بزيارة الي مدينتي ومسقط راسي بنغازي, بعد غيبة طويلة كوني كنت أحد المطلوبين من طرف الطاغية, وقدر ما اسعدني رؤية بنغازي والعديد من الأقارب والأصدقاء, الا أنني أستأت كثيرا من رؤية الكم الهائل من ألقمامة المتراكمة في كل أرجاء المدينة,  ورائحة المجاري في أجوائها, وقد علمت فيما بعد بأن المجاري تضخ في البحر مباشرة دون تصفية, كما انها تضخ في البحيرة خلف فندق التبستي, والتي كانت في يوم ما رائعة في جمالها وبدون رائحة االمجاري الكريهة.

لآ يخفي علي أحد خطورة تراكم الكنائس من ناحية صحية وبيئية, فالكل يعلم بأنها تهيئ المناخ الملائم لأنتشار الامراض, وتكاثر الفئران وما تحمله من آفات كمرض الطاعون, كما انني لاحظت تزايد غير مسبوق في الذباب والباعوض, وهذه الكائنات تساعد في نشر الامراض واتساع رقعتها.  وأما بخصوص المجاري وضخها في البحر والبحيرات فهي كذلك تشكل تهديدا مباشرا لثروتنا السمكية, كما انها تعيق استغلالنا لشواطيئنا الجميلة لأغراض سياحية, والتي قد نجدها مصدرا للمال لآ يستهان به, خاصة بعد نفاذ النفط والغاز, فالعديد من دول العالم تستغل شواطيئها الجميلة لجلب السواح,  وتعتمد علي السياحة كمصدر دخل رئيسي.

لقد أعلمني بعض الاصدقاء بأن آليات تصفية المجاري بمنطقة القوارشة كانت بحاجة للصيانة وأستبدال بعض قطع الغيار, ولكنها لم تحظي بعناية العهد المباد. وأنني أود أن ينال هذا الأمر أهتماما فوريا ودون تعطيل من الحكومة الانتقالية الحالية, فلدينا أمكانيات مادية وبشرية هائلة ولا تنقصنا سوي الأرادة السياسية.  وقد سمعت كذلك بأن شركات دولية متخصصة في نظافة المدن قد عرضت علي حكومة الطاغية تنظيف كل المدن دون تكلفة, وذلك لقدرتها علي معالجة الكنائس المتراكمة وتحويلها الي سماد ومواد أخري يعاد تسويقها والأستفادة من دخلها, كما أنه لديها القدرة علي أعادة استعمال البلاستيك والزجاج المنتشر في كل أرجاء ليبيا, وهذا يعتبر حل جذري لمشكلة أكياس النايلون وزجاجات (شيش) البلاستيك والتي كادت ان تغرق العديد من المدن في كارثة بيئية, ولن تتلاشي لمآت السنين.  وللحد من استعمال شكاير النايلون وزجاجات الماء البلاستيكية, اقترح العودة ألي أستعمال القفة الليبية التقليدية, ووضع فلتر علي حنفية مياه الشرب, وهذا سيودي الي توفير المال وحماية البيئة في آن واحد.

أنتشار السلاح

لقد كثر النقاش عن ظاهرة تعدد المليشيات المسلحة في كل ارجاء البلاد, وقد طالب البعض بدمجها في الجيش الوطني, والذي لم يتكون بعد.  فلمن تسلم هذه المليشيات سلاحها أذن؟ فهل تسلمه لمليشيا ما لكونها أكبر المليشيات, وما ضمان أن لا تقوم هذه المجموعة بانقلاب قد يضاهي أنقلاب القذافي.  أنني أثق كل الثقة في من قاموا بالثورة وقضوا جل وقتهم يحاربون كتائب القذافي علي كل جبهات القتال, ولا أثق في المتسلقين ومن يدعون بأنهم هم الذين قاموا بهذه الثورة المباركة, وقاموا بتشكيل عصابات مسلحة للسطو وللدفع بأجندة مشبوهة.  أنني من أنصار أن يحتفظ ثوارنا  بسلاحهم, حتي وأن تعددت التشكيلات العسكرية, فتعدد التشكيلات المسلحة هو الذي قد يؤمن السلام من خلال توازن القوي, فالأمن والسلام لآ يؤمن من سيطرة فريق دون غيره.  أن مبدأ توازن القوي هو الذي ضمن الأمن والسلام العالمي, لا تفوق فريق عن آخر.  ولقد تردد القول بأن هناك شركات أمنية دولية تسعي ألي الحصول علي موطأ قدم لها داخل البلاد. ووجود شباب الثورة بسلاحهم وحماسهم المستميت في الدفاع عن الوطن سيكون أكبر رادع لهذه الشركات الأمنية من التجرأ علي دخول أي رقعة من أرضنا الغالية بعد أن حررها شبابنا بدمائهم الطاهرة.

 المجالس المحلية

أنه مما لا شك فيه أن بداية كل أمر يبدأ بالفرد, وأن بداية كل الأمور محلية في طبيعتها.  ومن هذا المنطلق,  فشأن مدينة بنغازي يبدأ بمجلسها المحلي, والشخص الذي يشغل رئاسة هذا المجلس, وكذلك الحال بالنسبة لسائر المجالس المحلية في ربوع وطننا.  وأغلب هذه المجالس ليست منتخبة, أو حتي مكونة من أشخاص ذو كفآت تؤهلهم للقيام بمهامهم بشكل مرضي. والسبب الوحيد لتواجدهم علي كراسي أدارة المجالس المحلية هو تواجدهم قرب لكراسي أدارة المجالس المحلية ومبادرتهم بشغلها.  وكانت النتيجة هي سوء الأداء, والذي انعكس سلبا علي معظم المدن  كمدينة بنغازي.  وقد استآت العديد من المحلات وقامت بالتخلص من مجالسها, واستبدالهم بعناصر أكثر تأهيلا ووطنية, كما حدث في مدينة زوارة وبعض المدن الأخري. وأني أنصح بقية المدن باتباع نهج مدينة زوارة في أختيار مجالسها المحلية المؤقتة, وألي حين أجراء أنتخابات حرة لهذه المجالس. أن دور المجالس المحلية هو في غاية الأهمية في هذه المراحل الانتقالية, وفيما يأتي بعدها من مراحل, وعليه يجب أن لا تترك المجالس المحلية لعديمي الضمير والمقدرة.

 مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية

بمجرد أن تحررت ليبيا من سيطرة الطاغية, حتي بادر الشباب في تأسيس العديد من منظمات المجتمع المدني في مدينة بنغازي, وفي شتي المجالات والتخصصات, وبلغ عددها 310 بتاريخ مغادرتي لأرض الوطن.  والعديد من هذه الجمعيات والمنظمات أسست لسد حاجة ملحة وأنية  ويغلب عليها الطابع الأغاثي, كمساعدة النازحين وتزويدهم بالأكل و الدواء.  ولكن العديد من المؤسسات أقيمت لأغراض بعيدة المدي, لنشر مفاهيم الديمقراطية وتوعية الجمهور بمتطلبات المرحلة المستقبلية. 

وبالرغم من هذا الكم الكبيرمن مؤسسات المجتمع المدني ألا أن عدد الأحزاب كان ضئيلا بالمقارنة, ولا أتصور ان الحكومة الانتقالية أو المجلس الأنتقالي سيكونوا متسرعين في أتاحة المجال لمنافستهم علي السلطة, فنحن نعلم أن الأعلان الدستوري, والذي لا يرتقي لأي وثيقة شرعية, حيث ان من حرروه ليست لديهم أي سلطة تشريعية, وقد قاموا بتفصيل الأعلان الدستوري علي مقاساتهم الخاصة. وألي حين وجود هيكل ولوائح تنظيمية بخصوص الاحزاب,  فأنه يتوجب علي الأحزاب المتواجدة علي الساحة الليبية أن تزاول نشاطاتها دون ان تنتظر أي تصريح من فرد أو جماعة. كما هو مطلوب من هذه الأحزاب أن تقوم بصياغة وتطوير برامج حكم كبدائل واضحة لطرح الحكومة الانتقالية, فالديمقراطية تعني وجود خيارات في كل الأمور وليس خيارا واحدا.

 تطهير السفارات من عناصر القذافي

لقد علمنا بعدة اخبار تفيد بانه قد قامت بعض سفاراتنا بالخارج بتصرفات مسيئة تجاه مواطنينا, وتصرفت تجاههم بطرق غير لآئقة, وكأنهم لم يدركوا أن عهد الطاغية وثقافته, والتي بنيت علي تسفيه وتحقير المواطن قد انتهت, وهذا يعني نهاية كل أزلامه وأخلاقياتهم المشينة, فلا نريد مزيدا من تحقير مواطنينا, والذين عانوا الويل طوال ال42 عاما من حكم الطاغية.  أنني اقترح استبدال سفراء العهد المباد بسفراء يتسموا بالنزاهة وأحترام المواطن, فقد ولي عصر العبودية الي غير رجعة, ولا مجال لمن ارتبطوا بذلك الحقبة المظلمة في تاريخنا الحديث.

دور الأعلام وضرورة تفعيله والحفاظ علي استقلاليته

كثيرا ما وصف الأعلام في الدول الديمقراطية بانه السلطة الرابعة في الدولة, وقد شاهدنا في العديد من الحالات كيف أن الأعلام الحر أدي الي أسقاط سياسيين وأطاح بحكومات دول كبري.  وللأسف أن أعلامنا لا يمكن وصفه بالحر حتي بعد أن تحررت ليبيا من الطاغوث, فلا زلنا نسمع التطبيل والتزمير لمن يمسكوا بالأدوات الاعلامية أو من المحسوبين علي الحكومة الأنتقالية أو المجلس الأنتقالي.  كما أن الأعلام قد أهمل أهم دورممكن أن يلعبه, ألا وهو دوره في توعية المواطن وتثقيفه بمتطلبات المرحلة القادمة من فهم للديمقراطية, ودور المواطن وواجباته في تقدم الوطن.  لقد تردد الكلام من حين لآخر عن مهمة الحكومة في أدارة الأعلام, والحقيقة أن الحكومة ليس لها أي دور في أعلام حر, ألا أذا كنا نبتغي العودة ألي الأعلام الجماهيري, والذي كان من الافرازات السامة في عهد الطاغية.

نظام الحكم في ليبيا

  أن أي نظام حكم ناجح¸ وبأي مسمي كان, لابد أن يحضي فيه المواطن علي كل أحتياجاته ومقومات حياته دون عناء أو مشقة. وحيث أننا قد تعودنا علي أحادية الرأي طيلة حكم القذافي البغيض ولمدة 42 عاما,  وحيث أن الديمقراطية المرجوة تكمن في حرية أختيار الشعب لما يرتضيه من عدة خيارات مطروحة, وعليه فأني أرجو من كل المهتمين بالشأن الليبي القيام بوضع تصورات عدة لكل الخيارات المتاحة لأدارة الدولة الليبية (نظام ولايات, محافظات, مدن,...).  وهذا من شأنه ضمان أكبر مشاركة فاعلة في أدارة الدولة الليبية, وأعطاء المواطن أكثر من خيار لأدارة البلاد. ويجب أن ندرك أنه لا ديمقراطية ألا بتعدد الخيارات وحرية الخيار.

 صراع الدساتير

أنعقد المؤتمر الأول للمعارضة الليبية بمدينة لندن في شهر يونيه, 2005 وأفتتح الأجتماع بقرآة سورة الفاتحة والنشيد الوطني لدولة الأستقلال. وبعد العديد من المداولات والاجتماعات تبني الحاضرون العديد من المقترحات الجادة, أذكر منها الآتي: تبني  النشيد الوطني لافتتاح الجلسات المستقبلية, علم دولة الاستقلال, وتبني دستور ليبا لعام 1951.   وعند قيام الثورة المباركة يوم 17 فبراير, قام أبطال هذه الثورة المجيدة بالتغني بالنشيد الوطني ورفع علم دولة الاستقلال, ولم يتبقي سوي تبني الدستور الليبي والذي علي هدييه تاسست الدولة الليبية الحديثة قبيل انقلاب 1 سبتمبر 1969 المشئوم.  وأقترح تبني دستور دولة الاستقلال بعد اجراء تعديلات ملائمة تتمشي مع متطلبات الثورة المباركة. وهذا من شأنه أن يضع حدا للصراعات الدستورية القائمة, وأعادة أعتبار لجهد الآباء والأجداد علي دورهم في صياغة دستور ليبيا الحديثة.

 محمد مبروك بوقعيقيص

 

 

 

 

 

الرئسية