|
سرد تاريخى
عن ليبيا ما قبل الأستقلال والظروف اتى أدت الى حصول ليبيا على
أستقلالها
مصدق
بوهدمة
هذا ليس سردا
تاريخيا للأحداث ما هوبقدر أستخلاص الدروس والعبر من تاريخنا
تاريخ ليبيا المجيد الذى نذكره بفخر و أعتزاز لأنه مثل رائع
لصراع الأنسان من أجل البقاء والسعى الى الحرية رغم الأحباط
والصعوبات التى تواجهه من أجل تحقيق ذلك. هكذا كان تاريخنا الذى
صنعه الليبيون بدمهم ودموعهم صراع مع المستحيل فى ابقاء الأمل
لتحقيق الحلم.
هناك
حدثين تاريخيين مهدا الطريق الى كتابة أول دستور ليبى و آخره فى
تاريخنا الحديث. الدستور الذى صنع دولة ليبيا وسبق أعلان
أستقلالها. ومن المفارقة فأن هذين الحدثين التاريخيين لم يقعا
على الأرض الليبية بل كان بعيدا عن شواطئها ورمالها وقدر أنها
ستكون مؤثرة على مصير ليبيا ومستقبلها فى ذلك الوقت وأكد مانراه
حتى اليوم أن ليبيا مرتبطة دائما بالحدث الدولى فما قد يحدث فى
روما او نيويورك قد يعكس نتائجه على ليبيا ومصيرها. وفى هذا
هذا تذكير لنا ليبيوا اليوم فى هذا الزمن الذى تمر به قضيتنا
الليبية من تحدى وصعوبات من أجل أعادة الشرعية الدستورية التى
أرسى دعائمها المؤسسون الأوائل لدولة ليبيا.
الحدث
الأول كان تاريخه العاشر من يونيو عام1940 ومكانه روما و الحدث
الثانى تاريخه 21 نوفمبر 1949 ومكانه نيويورك.
ومابين
الحدثين لم تكن الأمور هادئة بل كانت صراع سياسى تطلب كثير من
الصبر والعمل وفهم قواعد الصراع السياسى الدائر فى ذلك الوقت
وكان التركيز واضحا جليا فى أذهان الليبين على هدفين أساسيين ,
هزيمة أيطاليا ثم الفوز بأستقلال بلادهم. ولهذا كان يجبب أن يقع
الحدث الأول حتى يصنعوا تاريخ الحدث الثانى.
ليبيا كانت
مستعمرة أيطالية عند نشوب الحرب العالمية الثانية فى سبتمبر
1939. لم يكن هناك خلاف دولى وخاصة مابين القوى العظمى ذات
النفوذ الأستيطانى مثل فرنسا وبريطانيا وبين أيطاليا فى هذا
الأمر . ليبيا أصبحت جزء معترف به دوليا أنها أيطالية وتحقق حلم
أيطاليا فى أعادة ذلك الجزء من الشمال الأفريقى الذى كان فيما
مضى جزء من الأمبراطورية الرومانية .
كان الزعيم
الأيطالى موسولينى رغم أرتباطه بالنظام النازى فى ألمانيا حريصا
على عدم دخول تلك الحرب بل حاول أن يلعب دور صانع السلام فى
أوروبا ولقد لقى من أجل دوره هذا التقدير من الجانب الأوروبى
وأثنى على موقفه من قبل بريطانيا فى فترة التوتر السياسى فى
أوربا الذى سبق أندلاع الحرب العالمية الثانية. ولكن موقفه هذا
سيتغير كما نرى فيما بعد.
حركة المقاومة فى
ليبيا كانت قد أنتهت بعد شهور قليلة من أستشهاد قائدها الميدانى
عمر المختار الذى وقع فى الأسر فى الحادى عشر من سبتمبر 1931
وأعدامه فى السادس عشر من نفس الشهر ونصب بعده كقائد لحركة
المقاومة المسلحة يوسف بورحيل وبآخر رصاصة أطلقت من بندقيته فى
التاسع عشر من ديسمبر 1931كانت هى آخر رصاصة تطلق فى الصراع
المسلح مع المستعمر الأيطالى.
أصبح الثقل
السياسى الليبى متواجدا فى المهجر وأغلبيته أستقرت فى مصر وكان
صراعهم صراع مع الفقر والعوز والأهانة وخيم على النفوس الليبية
أحباطا شديدا بعد أن أفاقوا للحقيقة الصعبة وهى أن أيطاليا
أنتصرت أخيرا وهم فى أرض مصر لاحول لهم ولا قوة تقطعت بينهم وبين
موطنهم السبل الا بقايا ذكريات رددوها فى أشعارهم التى حفظت لنا
تاريخ محنتهم فى المهجر.
ورغم كل ذلك كان
هناك الأمل الذى يهز النفوس ليفيقها ويشحنها بالهمة وبعض القوة
وبهذا الأمل كان الليبيون يراقبون الأحداث بعيون يقظة وتحليل
دائم للحدث السياسى الدولى فى ذلك الوقت.
وأدرك الليبيون
بأن التخلص من الهيمنة الأيطالية مرتبط بأنهزام أيطاليا فى صراع
مع قوة أخرى ورأو أن ذلك يمكن أن يتحقق عام 1935 عندما دخلت
أيطاليا الحبشة وأحتلتها أذ أن هذا العمل قد يجر أيطاليا الى
المواجهة مع بريطانيا والتى كانت لا ترحب بالنفوذ الأيطالى فى
ذلك الجزء من أفريقيا ولكن خاب أمل الليبيون للموقف البريطانى
المهادن من الخطوة الأيطالية فى غزو الحبشة .
على وشك دخول
الحرب العالمية الثانية عامها الثانىظهرت المقدمات على أن فرنسا
لن تقاوم وتصمد كثيرا أما م الزحف النازى الألمانى وهذا ماتراء
لموسولينى أيضا ولتحقيق طموحاته فى ضم مستعمرات فرنسية فى
أفريقيا - كان يطمح بضم تونس والصومال الفرنسى - قرر ان
يدخل الحرب الى جانب ألمانيا ويعلن حالة العداء مع فرنسا
وبريطانيا فى العاشر من يونيو 1940
كان الليبيون
يراقبون تطورات الصراع الدولى عن قرب ورأو أن هذة هى الفرصة التى
ينتظرون من وقت طويل وفور أعلان ايطاليا الحرب على الحلفاء بدأ
الليبيون أتصالاتهم الرسمية مع السلطات العسكرية البريطانية فى
مصر واعلنوا تأييدهم ومساعدتهم لبريطانيا فى صراعها فى الشمال
الأفريقى. فى 9 أغسطس 1940 أنشىء الجيش الليبى من خمس فرق تم
تدريبها وتسليحها من قبل بريطانيا والذى حارب الى جانب قوات
الحلفاء فى حرب الصحراء والتى كانت برقة مسرحا لها. حاربوا
ببسالة أشار اليها أنتونى أيدن وزير الخارجية البريطانى فى أحدى
جلسات البرلمان البريطانى عند تقديمه لتقريره عن مجرى العمليات
العسكرية وفيها أشاد بالموقف الليبى.
كان هناك تخوف من
بعض الليبين ولاسيما من الداخل فى أن الحلفاء يخوضون معركة خاسرة
مع المانيا النازية بل ذلك كان أعتقادا سائدا فى المنطقة بكاملها
وأن هزيمة بريطانيا هى مسألة وقت. وهذا التصور ربما كان أحتمالا
كبيرا فى بداية معارك الصحراء الليبية والتى فى بدايتها عبرت
القوات الأيطالية حدود ليبيا الشرقية وشرعت فى حملتها على مصر.
وأنتظر الليبيون
أكثر من عامين كانت مشوبة بالقلق والتوتر من مجريات الأحداث حتى
أنتهت الحرب فى الشمال الأفريقى بهزيمة أيطاليا والقوات
الألمانية.
أحتل الجيش
الثامن البريطانى برقة فى نوفمبر 1942 ثم مصراتة فى يناير 1943
ثم طرابس فى نفس الشهر كما دخلت القوات الفرنسية فزان فى نفس
العام.
كان واضحا لليبين
عقب نهاية الحرب بأنه ليس هناك التزاما ولا تعهدا من قبل دول
الحلفاء المنتصر لمنح ليبيا أستقلالها.
رغم هزيمة
أيطاليا فأنه من الناحية القانونية كانت تتمتع بالسيادة على جميع
مستعمراتها السابقة ومنها ليبيا ولم توقع معاهدة الصلح بين
أيطاليا ودول الحلفاء الا فى سبتمبر 1947 وتركت قضية التصرف فى
المستعمرات الأيطالية للدول الأربع الكبرى التى وقعت معاهدة
الصلح مع أيطاليا.
وهنا بدأت
المرحلة الثانية من الصراع مع المستحيل أو مابداء فى ذلك الوقت
صعب المنال وهو نزع أستقلال البلاد أنتزاعا من صراع الدول الكبرى
المنتصرة والتى كانت عيونها على ليبيا فهى كالجائزة يطمح كل طرف
أن ينال جزء منها وفى خضم هذا الصرع بدأت تتجلى فكرة الوصاية على
ليبيا من قبل الدول ذات النفوذ والمصالح فى ليبيا ما بعد الحرب.
لم يغفل الليبيون
هذا الواقع وكعادتهم كان الأمل والأيمان دائما يدفعهم الى العمل
رغم الظروف الصعبة التى كانت تمر بها البلاد فى فترة ما بعد
الحرب. كانوا يعون جيدا بأن صراعهم سيكون صراعا سياسيا مدعوما
بدبلوماسية لم يعهدوها ولم يمارسوها من قبل مع أطراف كانت تضع
قواعد اللعبة السياسية ولها خبرتها الطويلة فى هذا المجال وعزموا
أمرهم على أن يعبروا جسور المستحيل الى شأطى الأمل ودخلوا نوعا
من الصراع لم تألفه عقولهم ولا طباعهم قبل ذلك فكان عليهم
التأقلم والتعلم والفهم السريع لأحداث متلاحقة ستقرر مصير ليبيا
فى سنوات قليلة آتية.
بدأ واضحا
لليبيين أنه هناك أتجاه من قبل الدول الكبرى المنتصرة فى الحرب
على فرض وصاية دولية من خلال الأمم المتحدة ثم تبلور هذا الأتجاه
الى تقسيم الوصايا بين بريطانيا وفرنسا وأيطاليا بوجها الجديد
بعد سقوط الحكم الفاشستى كنتيجة للحرب العالمية الثانية. ثم
تتطور الصراع من أجل الوصاية على ليبيا وشمل دولا اخرى تطمح فى
الوصاية أيضا على ليبيا مثل مصر والأتحاد السوفيتى والولايات
المتحدة كما هناك رايا بوصاية الجامعة العربية على ليبيا.
وأمام هذا التنافس
الشديد بين كل هذا الأطراف جعل من المستحيل فى الوصول الى أتفاق
يحسم مسألة الوصايا على ليبيا ومن أجل ذلك تمت أحالة المسألة
الليبية من قبل الأربع الكبار الولايات المتحدة وبريطانيا
والأتحاد السوفيتى وفرنسا فى سبتمبر 1948 على الأمم المتحدة
وبدأت مناقشة المسألة الليبية فى أبريل 1949.
ولم يغب عن
الليبين أهمية هذا الصراع ولذلك عزموا على أن يكونوا قريبا من
الحدث وقد حضروا تلك الدورة بوفدين أحدهما يمثل برقة ووفد آخر
يمثل طرابلس.
وفى هذه الأثناء
ظهر مشروع بيفن سفورزا وهو أتفاق سرى كان قد جرى بين وزير
خارجية بريطانيا أرنست بيفن ووزير خارجية أيطاليا كارلو سفورزا
وفيه تم الأتفاق بين الدولتين فى أن ليبيا تحصل على أستقلالها
بعد عشر سنوات على أن توضع أقاليم ليبيا الثلاث خلال هذه الفترة
تحت وصاية دولية تتولى بريطانيا الوصاية على برقة وتتولى أيطاليا
بموجبها أدارة طرابلس وتتولى فرنسا أدارة فزان. وقدم المشروع
للأمم المتحدة للتصويت عليه امام الجمعية العامة فى 17 مايو 1949
ولتمرريه كان يتطلب موافقة ثلثى الأعضاء الحاضرين وعددهم 58
دولة. وهنا تجلت أهمية وجود الليبين فى قلب الحدث ومراقبتهم
وتفاعلهم مع التطورات السريعة والصفقات المبرمة فى أروقة الأمم
المتحدة ونجح أحد أعضاء الوفد الليبى من أجل كسب تأييد ممثل دولة
هايتى لدى الأمم المتحدة المتعاطف مع القضية الليبية وكان صوته
هو المرجح الذى ادى الى سقوط المشروع وبهذا تم عرقلة أحدى
مشاريع لعبة الصراع الدولى التى حاولت أن تحول مابين الليبين
وتحقيق الحلم فى ولادة دولتهم.
وبداء الليبيون فى
ممارسة اللعبة السياسية على المستوى الدولى بحذاقة بعد أن أيقنوا
أنه يجب عليهم تفويت الفرصة على أى مشروع جديد وأن يستبقوا الحدث
ويضعوا المجتمع الدولى امام واقع جديد تحدده الأرادة الوطنية.
فى الأول من
يونيو1949 فى قصر المنار ببنغازى أجتمع المؤتمرالوطنى وتم أعلان
الأستقلال الذاتى لبرقة
وبدأت البوادر
المبكرة فى العقلية الليبية فى ذلك الوقت الصعب على أهمية
الدستور كاساس لبناء الدولة وهكذا تجلى الخيار الدستورى مبكرا فى
سياسة بناء دولة الأستقلال وفى فكر المؤسسين الأوائل.
فتم الأعلان
الدستورى لبرقة فى أكتوبر1949 وكنتيجة له صدر قانون الأنتخابات
وشهدت برقة أول أنتخابات عامة حرة فى 5 يونيو 1950 لأنتخاب أول
برلمان فى برقة.
وكان هناك وعيا
وطنيا وفهما لأهمية أعلان استقلال برقة الذاتى فى أعداد المسرح
السياسى الدولى والداخلى لأستقلال ليبيا بكل ترابها وهكذا وضع
الجميع أمام المسئولية التاريخية من أجل تحقيق الحلم.
أيدت الجبهة
الوطنية الطرابلسية والمؤتمر الوطنى الطرابلسى أستقلال برقة .
تزامن بحث القضية
الليبية مع المقدمات المبكرة للحرب الباردة وعندما فشل مشروع
بيفن سفورزا نتيجة للمناورة التى لعبها الوفد الليبى قبيل
التصويت على المشروع فى الجمعية العامة , تقدم الأتحاد السوفيتى
بأقتراح فى أن تكون له الوصاية على طرابلس بدلا من أيطاليا.
وربما هذا ما دعى القوى الكبرى فى عرض القضية الليبية مرة أخرى
على الأمم المتحدة وذلك لمنع الأتحاد السوفيتى من الحصول على
موضع قدم فى جنوب المتوسط.
وهكذا تقرر أعادة
طرح المسألة الليبية فى الثلاثين من سبتمبر 1949 امام الدورة
الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة وكانت الوفود الليبية وهى
تمثل الأرادة الوطنية فى نيل استقلال البلاد دون أبطاء حاضرة فى
ثلاث وفود - المؤتمر الوطنى البرقاوى والمؤتمر الوطنى الطرابلسى
وحزب الأستقلال. وكان يمثل وفد المؤتمر الوطنى عمر فائق شنيب
وخليل القلال و عبد الرازق شقلوف ووفد المؤتمر الوطنى الطرابلسى
بشير السعداوى ومصطفى ميزران ومحمد فؤاد شكرى بينما مثل حزب
الأستقلال عبدالله الشريف وأحمد راسم كعبار وعبدالله شعبان.
لم يكن نقاش
القضية الليبية بالأمر السهل فى الوصول الى وضع مشروع قرار يتضمن
أن تنال ليبيا أستقلالها ولم يطرح هذا المشروع للنقاش فى الجمعية
العامة حتى يوم 19 نوفمبر 1949 ثم جرى التصويت على المشروع يوم
21 نوفمبر 1949 فتبنت الجمعية العامة نص قرار الأمم المتحدة فى
أن تصبح ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة فى موعد لا يتجاوز أول
يناير 1952 على أن يوضع للدولة الجديدة فى أثناء ذلك دستور تقرره
جمعية وطنية تضم ممثلين عن الأقاليم الثلاث طرابلس وبرقة وفزان.
ولهذا كان 21
نوفمبر 1949 أعترافا دوليا بنهاية صراع الوصاية على ليبيا ووضع
بناة دولة الأستقلال الأوائل أمام المسئولية التاريخية فى وضع
الأسس لأول دولة ليبية فى التاريخ تأخذ مكانها بين الأمم
المستقلة وتتبنى الخيار الدستورى ليكون الأساس الذى ستبنى عليه
دولة الأستقلال.
أولت الأمم
المتحدة القضية الليبية أهتماما ورعاية تعتبر سابقة فى تاريخ
المنظمة الدولية فى ذلك الوقت وهى التى أسست عقب نهاية الحرب
العالمية الثانية أذ لم يمر على أنشائها أكثر من أربع سنوات. فنص
القرار المتعلق بأستقلال ليبيا على تعيين السيد أدريان بلت
الدبلوماسى الهولندى العريق والذى سبق أن أشتغل فى عصبة الأمم.
وكان يحتل منصب الأمين المساعد للأمم المتحدة تم تعيينه المفوض
الخاص للمنظمة الدولية فى ليبيا للمساعدة وتقديم الأستشارة
والعون من أجل بناء الدولة الليبية الجديدة كذلك أنشأت الأمم
المتحدة مجلس خاص ليعين مفوض الأمم المتحدة فى أداء مهمته وعرف
بمجلس العشرة لأنه يتألف من عشرة اعضاء يمثلون الولايات المتحدة
وبريطانيا وفرنسا وأيطاليا ومصر وباكستان ومندوب من كل أقليم من
أقاليم ليبيا الثلاث والعضو العاشر يمثل الأقليات فى ليبيا.
تم أعداد الخطوات
لتنفيذ قرار الأمم المتحدة بخطة تقدم بها السيد أدريان بلت
وأقرها مجلس العشرة (المجلس الأستشارى) فى 25 أبريل 1950 وتضمنت
أنتخاب المجالس المحلية فى طرابس وبرقة وفزان فى يونيو
وتكوين اللجنة التحضيرية تمهيدا لأنشاء الجمعية الوطنية
التأسيسية فى يوليو1950 والتى عرفت بلجنة الواحد والعشرين
لأنها مثلت كل أقليم من أقاليم ليبيا بسبعة اعضاء.
لم يكن الوصول الى
أتفاق بشأن تكوين الجمعية الوطنية التأسيسية بالأمر السهل وتطلب
ذلك كثير من الوقت فى الوصول الى أتفاق يرضى جميع الأطراف فى أن
يكون تكوين الجمعية الوطنية التأسيسية بطريق الأنتداب ويتم على
أساس التمثيل المتساوى للأقاليم الثلاث فى ان تتألف اللجنة من
ستين عضوا بمعدل عشرين مندوبا لكل أقليم.
فيما يتعلق
بأختيار مندوبى برقة وفزان فى الجمعية الوطنية التأسيسية , فقد
كان الأمر سهلا وذلك لوجود الأتفاق السياسى على من يمثل هذين
الأقليمين فى اللجنة التأسيسية. لم يكن ذلك يسيرا فى طرابلس
لوجود كثير من التنافس السياسى بين الأطراف السياسية و الحزبية
ومن أجل تحقيق اتفاق عام على تعيين مندوبى طرابلس فقد عهد للشيخ
محمد أبو الأسعاد العالم أختيار المندوبين بعد التشاور مع
الزعامات السياسية والحزبية فى الأقليم.
تم تكوين اللجنة
الوطنية التأسيسية فى نوفمبر 1950 من ستين عضوا كانوا مثالا
للوطنية والنزاهة ويتمتعون بأحترام وتقدير المجتمع السياسى
الليبى فى ذلك الوقت فلم يكونوا قادة أجتماعيين فقط بل رجال
قيادة سياسية يمثلون ليبيا بأقاليمها الثلاث تمثيلا متكافىء
العدد ويعبر عن أرادة حقيقية من أجل الدفع بمسيرة الأحداث
الدولية المؤاتية فى تلك الفترة للحصول على أستقلال البلاد الذى
كان قبل عشر سنوات من ذلك حلما يصعب تحقيقه.
وفى 25 نوفمبر
1950 بدأت مسيرة كتابة الدستور بأول أجتماع للجمعية الوطنية
التأسيسية فى طرابلس بأقرار مبدأين أساسين أعتبرا مهمين لتقرير
مستقبل الدولة الليبية , أولهما أن تكون ليبيا دولة أتحادية
وثانيهما تبنى نظام الحكم الملكى وأن يعرض عرش ليبيا على أمير
برقة السيد محمد أدريس السنوسى. وقد تم أقرار ذلك بأجماع الجمعية
الوطنية فى جلستها بطرابلس المنعقدة فى 2 ديسمبر 1950.
لقد كان المهمة
المنوطة للجنة الوطنية التأسيسة مهمة ليست تاريخية فقط بل كانت
تحدى وتجسيد للأرادة الوطنية الليبية التى صمدت بحزم وشدة بحملات
التشكيك من مصر الملكية وايضا من أمين الجامعة العربية عبد
الرحمن عزام فى شرعية اللجنة التأسيسية ولكن بفضل أصرار أعضاء
اللجنة وحكمة رئيسها محمد أبو الأسعاد العالم تمكنت اللجنة من
تجاوز كل المناورات والمضى فى مهمتها لأعداد الدستور.
قامت الجمعية فى
الرابع من ديسمبر 1950 بتعيين لجنة الدستور المكونة من ثمانية
عشر عضوا مهمتها أعداد الدستور ومن هذه اللجنة أنبثقت لجنة
جماعة العمل التى تكونت من ستة أعضاء, أثنان من كل ولاية لأعداد
أجزاء الدستور وتقديمها للجنة العمل لدراستها .
تم ترجمة دساتير
أثنتى عشرة دولة أتحادية وقامت لجنة العمل بدراستها ثم بدأ
الشروع فى أعداد فصول الدستور الأثنى عشر والذى أحتوى على 213
مادة.
وبعد 25 أجتماعا
للجنة الدستور و 96 أجتماعا لجماعة العمل كان مشروع الدستور
جاهزا أمام الجمعية الوطنية التأسيسية لمناقشته وأقراره.
بدات الجمعية
الوطنية التأسيسية فى دراسة ومناقشة مواد الدستور فى العاشر من
سبتمبر 1951 فى طرابلس ثم أنتقلت الى بنغازى وواصلت الجمعية
أجتماعاتها فى 29 سبتمبر.
و ما أن حل يوم
الأحد السابع من أكتوبر 1951 حتى كانت الجمعية الوطنية
التأسيسية قد أنتهت من أقرار الدستور ثم صدقت بالأجماع على مواد
الدستور بكامله وتم توقيع الوثيقة الدستورية من قبل رئيس الجمعية
الوطنية الشيخ محمد أبو الأسعاد العالم والسيد عمر فائق شنيب عن
برقة والسيد أبوبكر احمد أبوبكر عن فزان.
بهذا تم تمهيد
الطريق لأعلان أستقلال ليبيا فى 24 من ديسمبر 1951 الذى تم فيه
ميلاد الأمة الليبية وتكوين دولة ديمقراطية مستقلة ذات سيادة
تؤمن الوحدة القومية وتصون الطمأنينة الداخلية وتهيء وسائل
الدفاع المشتركة وتكفل أقامة العدالة وتضمن مبادىء الحرية
والمساواة والأخاء وترعى الرقى الأقتصادى والاجتماعى والخير
العام.
وأذا
كان الدستور كما قالت مارينا أوتاوا يوم أمس فى حديثها الشيق أن
الدستور هو وثيقة تخدم سببين أثنين. الأول توضيح مبادىء الأسس
التى يلتزم بها من أجل بناء المؤسسات التى تحكم الدولة والثانى
تقوية الأتفاق بين الأطراف السياسية المتعددة على الكيفية التى
تدار بها شئون الدولة.
وأنى أعتقد أن
دستور 1951 قد خدم هذين السببين أيضا
فقد
كان وثيقة تفاهم أجمع عليها ممثلى الشعب لتحدد الأسس التى ستبنى
عليها دولتهم الناشئة.
الفصل الرابع من
الدستور أرسى دعائم السلطات العامة وهى ثلاث : السلطة التشريعية
والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية.
وان كانت المادة
(41) تنص على أن السلطة التشريعية يتولاها الملك بالأشتراك مع
مجلس الأمة ويصدر الملك القوانين بعد أن يقرها مجلس الأمة فأن
مدى صلاحيات الملك قد قيدها الدستور فاذا أصدر مجلس الأمة قانونا
يمكن للملك خلآل المدة المحددة لأصدار القانون أن يطلب من مجلس
الأمة أعادة النظر فيه فأذا المجلس بحث القانون وأقره ثانية
بموافقة ثلثى الأعضاء صدق عليه الملك واصدره خلال ثلاثين
يوما.وفى المادة (64) من نفس الفصل تنص على أنه أذا طرأت أحوال
أستثنائية تتطلب تدابير مستعجلة ولم يكن مجلس الأمة منعقدا
فللملك الحق أن يصدر بشأنها مراسيم يكون لها قوة القانون على أن
لا تكون مخالفة لأحكام الدستور. وتعرض هذه المراسيم على مجلس
الأمة فى أول أجتماع له فأذا لم تعرض أو لم يقرها أحد المجلسين
زال ما كان لها من قوة القانون.
كما لا يستطيع
الملك تأجيل أنعقاد مجلس الأمة لمدة تزيد عن ثلاثين يوما ولا أن
يتكرر هذا التأجيل فى دور الأنعقاد الواحد بدون موافقة المجلسين.
وفى الفصل الثانى
الذى يعنى بحقوق الشعب فيه الأعلان على مبدأ الحرية الشخصية وأن
الجميع متساوون فى الحماية أمام القانون وأن لا جريمة ولا عقوبة
الا بناء على قانون ولا عقاب الا على الأفعال اللاحقة لصدور
القانون الذى ينص عليها كذلك لا توقع عقوبة اشد من العقوبة التى
كانت نافذة وقت أرتكاب الفعل.
كما لا يجوز بأى
حال أبعاد ليبى من الديار الليبية ولا يجوز أن يحظر عليه الأقامة
فى جهة ما أو يلزم بالأقامة فى مكان معين او منعه من التنقل فى
ليبيا.
حرية الأعتقاد
مطلقة وتحترم الدولة جميع الأديان والمذاهب وتكفل لليبين
وللاجانب المقيمين فى أرضها حرية العقيدة والقيام بشعائر الأديان
وأن حرية الفكر مكفولة ولكل شخص الأعراب عن رأيه وأذاعته بجميع
الطرق والوسائل وأن حرية الصحافة والطباعة مكفولة أيضا ولكل شخص
الحرية فى أستعمال أية لغة فى المعاملات الخاصة أو الأمور
الدينية او الثقافية او الصحافية او فى الأجتماعات العامة.
التأكيد على حرمة
الملكية الخاصة وأن عقوبة المصادرة العامة للأموال محظورة وأن
للمسكان حرمة فلا يجوز دخولها ولا تفتيشها الا فى الأحوال
المبينة فى القانون.
هكذا كان الدستور
الليبى, فقد أرسى قيم أنسانية عالية فحمى حقوق الحرية التقليدية
وأكد على مبدأ المساواة وحماية حياة العائلة وحرية الأجتماع
وحرية تأسيس الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدنى وخصوصية المراسلة
والبريد والأتصالات وحرية الحركة وحرية اختيار العمل والتشجيع
عليه وحرمة المنازل وحماية الملكية وحقوق المواطنة واللجوء
السياسى وكذلك حق تقديم الألتماس والحقوق القضائية مثل حق
المحاكمة القانونية والحصول على العدالة والضمانات الشرعية وبهذا
اعتبرت الكرامة الأنسانية فى صلب حقوق الأنسان فى الدستور
الليبى.
أو هكذا قدر له فى
أنتظار جيل الأستقلال ليستعمل هذه الأداة القانونية والحضارية فى
مراقبة مسيرة الحكم والدفع بآلياته الى آفاق جديدة ستكون واضحة
لجيل جديد يتطلع الى بناء الحلم الذى من أجله دفع الليبيون ثمنا
كبيرا منذ بدايات القرن العشرين.
ومن أجل هذا الأرث
الدستورى الذى صنعه مؤسسوا دولة الأستقلال ونملكه نحن الليبين
لأنه جزء من تاريخنا الحضارى الذى نفخر به كان هذا المؤتمر فى
هذا المكان لجعل هذا هو خيارنا أيضا نحن جيل اليوم لندفع بكل
السبل الممكنة من أجل عودة الشرعية الدستورية مرة ثانية لينعم
الليبيون مرة أخرى بالأمان والأستقرار ويكملوا مشوار بناء الحلم
ليصبح حقيقة على أرض ليبيا لجيل المستقبل القادم. |