|
الوطـــن.. والمنفى.. وعيون الجلاد
""
فى زمن المنفى تختلط الجنسيات وتفقد الأمكنة دلالاتها، وفى يوم الغريب تتداخل
الوحدة والشكوى والعتاب.. فتجرح قلبه صحف الصباح، وترتجف أنامله لطوابع
الرسائل، وتشرأب مسامعه لبقايا ألحان شعبية.
وزمن المنفى هو زمن التمنى والرغبات الغائبة، زمن الشكوى المديدة،
والمقاومة الإلزامية، والخوف من الموت، والتعلق بالحياة. وهو أيضا زمن
الذاكرة التى استباحها النسيان.
والغريب هو البعيد، المبعد، المحروم... ومن كان بالمنفى أو عاش شروطه، لا
يسأل عن المكان، بل يسأل عن الأسباب التى جعلت الإنسان منفياً وعرضة للقهر
والامتهان والتشرد.
هذا هو الغريب.. فمن ألقى عليه بهذا الظلم الفادح؟
من بتر أحلامه وبددها؟
ومن يوزع عليه الفقر والموت بالمجان؟
ومن حول االبيوت الموشاة بالصور الملونة إلى سجون؟
ومن جعل أصحاب العيال يتحولون إلى مزبلة للخوف ومدخنة للتبغ الرخيص؟
ومن حول المدن الزاهرة إلى مقابر موحشة تسكنها الأرواح الشريرة؟
ومن..؟! ومن..؟!
إنه الجلاد.. نصير الظلام.. المستبد.. الفاشى.. إنه القمع الصارخ الذى
يلتهم المدن والقرى والشوارع، ويطارد الإنسان، يئد حريته، و يكمم أنفاسه،
ويقطع أوصاله بالسكاكين.. والرصاص.. والقنابل.. والأسلاك المكهربة.. وقطع
الزجاج.. والقضبان الحديدية.. والسياط الموشحة بالمسامير.. و..و..
هذا قليل من "هدايا" قوى القمع.. والاغتراب.. والفاشية..!
لكن.. هل يتحدد المنفى بالابتعاد عن أرض الأجداد؟
يمكننا ياصاحبى أن نميز بين الأرض والوطن.. فكل وطن يقوم على أرض، ولكن
ليست كل أرض وطن. وليس المهم هنا المكان، بل الأهم هو دلالة المكان التى تبنى
الوطن أو تهدمه..
والغربة، كما المنفى، لا تجد حلها، ولن تجد حلها، إلا فى لحظة الفعل
المقاوم. ففى هذا الفعل يدرك كل منا ذاته، ويعرف أسباب نفيه.. إن أجمل
الأوطان جميعا هو الثورة فى وجه القمع.. والقهر.. والتسلط.. والاستغلال..
والطغيان..
وطننا هو نضالنا المستمر الذى به نتجاوز غربتنا ونكتسب جدارتنا بالأرض..
وهو تحررنا من لوعة الذاكرة.. واستبداد المسافات.. وسطوة الرغيف.. وعيون
الجلاد.. وتفاهات الحاكم الفاشى.
نعم ياصاحبى..
الكفاح وحده هو طريقنا إلى ذلك الحلم الذى اسمه "الوطن"..
وهذه الكلمات "الفارغة"، هديتى إليك، حينما رحلت قبيل الأوان. أشعثتك
مداخن السعال فى زمن الشتات، فسافرت بدون وداع.. قدماك مضرجتان بشوق عبور
السلك الشائك.. وحملت بسترتك بقايا حب ما لبث يرافقك خلف البحر، ويشاطرك
الحلم على درب الغربة..
فإلى متى نظل يا فؤادى غرباء؟ إلى متى..؟
عبد الرحيم صالح |