شرابين الدم يلهثون وراء الكوكا كولا!
بقلم: عبد الرحيم صالح
فيما يحاول القذافى وأولاده وأذنابه تقديم المزيد من التنازلات، ويبدون فى
ذلك استعدادهم، منقطع النظير، عن دفع الديات الباهظة ثمنا لتهورهم ومراهقتهم
السياسية، التى لم تفارقهم يوما واحدا منذ ذلك الانقلاب الأغبر الذى أوصلهم
للتربع المستديم فى سدة الحكم، فان الموقف الأمريكى مازال يبدو متشددا،
ومازال شرط المطالبة بقبول "المسئولية " قبولا "مكتوبا" لا غبار عليه،
والسماح بمزيد من التحقيقات لمعرفة الجانى وراء جريمة "لوكربى البشعة" أكثر
حضورا وإلحاحا.
فرغم أساطيل المحامين، وحملات الدعاية و"التجميل" الرديئة التى وظف لها "سفاح
سرت" كل الإمكانيات ورصد لها ما لذ وطاب من ميزانيات - من قوت وثروة الشعب
المنكوب، وبدون حسيب أو رقيب - فان الرأى العام الرسمى والشعبى بالولايات
المتحدة لايخفى سخطه وكراهيته "للأخ القايد"، عراب الإرهاب الأول، وشراب الدم
البشرى بامتياز! ففى طوفان من مقابلات إعلامية تنضح بالتوسل الرخيص، وتفوح
منها روائح انتهازية كريهة، يكرر الأب والابن، ولى العهد المرتقب، فى تملق
فاضح التوبة النصوحة، ويغمزون ويلمزون بالعقود الدسمة وفرص الاستثمار.
فهذا هو "سيف الإسلام البتار" يقول أنه لم يعد مدمنا على شرب الدم ويبحث
لاهثا عن مشروب بديل، ويحبذ ان يكون كوكا كولا، وهو حتما لا يمانع الحصول على
حق التمثيل التجارى لهكذا شركة كبيرة ومحبوبة فى "جماهيرية العجائب"، التى
أعلنت "انتحار القطاع العام" بسبب صعوبة فهمه وجهل الليبيين عن استيعاب
الجانب الاقتصادى من "نظرية الوالد". وولى العهد لا يكاد يحتمل الانتظار من
فرط الشوق والعطش و"الخصخصة"! وعقبال الجانب السياسى أيضا (بركاتك يا من وزنه
ذهبا)!
وهذا هو الأب، الذى عودنا بانهماكه فى الهتافات والخطابات الهائجة ولساعات
مديدة، ملوحا بقبضته فى الهواء ومطلقا العنان لحباله الصوتية المدوية: "طز..طز..
بالروح..بالدم.. ونحنا شرابين الدم..لازم شنقه فى الميدان…الخ…الخ"، يتحدث
همسا لا يكاد يسمع، بل ويهمهم كالبعير الأجرب فيصف لمندوب مجلة "تايم" (Time)
نظاما عالميا جديدا تتحالف فيه ليبيا والولايات المتحدة فى الحرب ضد "التطرف
الاسلامى". ويقول أن ليبيا ستكون حليف أفضل للولايات المتحدة "من مملكة عربية
نفطية تشجع التطرف الدينى." ويؤكد "الثائر الأفريقى الكبير" بأن ليبيا لم تعد
تساند الإرهاب، وأنها لا تسعى لاقتناء أسلحة دمار شامل كيماوية أو بيولوجية
أو نووية. بل ويقول عن أسلحة الدمار الشامل بالحرف الواحد: " أنها أصبحت "بمرنغ"(Boomerang)*،
فكل أحد لديه أسلحة دمار شامل سترتد عليه، والعالم لا يقبل مثل هذه الأشياء،
وسيكون من الجنون إهمال مثل هذا التوجه العالمى." ويضيف: "ليس من مصلحتنا أن
نكون معادين لقوة عظمى مثل الولايات المتحدة. ونسعى نحو علاقات أحسن معها
لأننا سنستفيد من ذلك، وإذا ما عاندنا أمريكا فإننا سنخسر."
ولكن كما يقول المثل، يغلب الطبع التطبع، ولم يستطع القذافى أن يحافظ على
هدوئه ورزانته المفتعلة، عندما وجهت إليه أسئلة بشأن مسئوليته الشخصية عن
عمليات إرهابية ضاع ضحيتها مئات الأبرياء، واحتمال وجوده ضمن قائمة الحكام
المستهدفين من قبل الإدارة الحالية. وبالمثل أثارت مقابلة القذافى مع محطة
تلفزيون ايه بى سى الأمريكية ردود فعل سلبية من قبل المشاهدين، وتلقت المحطة
الكثير من التعليقات الإلكترونية اللاذعة.
كما كتب، مؤخرا، جيم هوغلاند (Jim Hoagland) بصحيفة "الواشنطن بوست" مقالا
تحت عنوان: "الشيطان الذى نعرف"، منتقدا تصريحات القذافى الأب "القصيرة
والغامضة"، والتى تبدو وكأنها جزء من حملة "تجميلية" منظمة لتاريخه الإرهابى
الطويل. وأشار الى "القضية المدنية" التى سيرفعها المحامى ستيوارت نيوبرغر
(Stewart H. Newberger) ضد الحكومة الليبية بالنيابة عن عائلات السبع ضحايا
الأمريكيين الذين لقوا حتفهم فى حادث سقوط طائرة "يو تى ايه" (UTA) الفرنسية،
رحلة رقم 772، والتى راح ضحيتها 170 مدنيا فوق صحراء النيجر عام 1989م.
ويشير هوغلاند بأن هذه القضية الجديدة ستستفيد بشكل مكثف من المعلومات
التى تحصل عليها القاضى الفرنسى المشهور جان-لوى بروغوير (Jean-Louis
Bruguire) الذى سبق له وأن أصدر حكما غيابيا على ستة من موظفى أجهزة
المخابرات والأمن الليبية، من بينهم عبد الله السنوسى، بتهمة جريمة التفجير.
كما يقترح، هوغلاند، على المحامين والدبلوماسيين وعائلات الضحايا الذين
يفاوضون النظام الليبى بشأن حادثة "لوكربى" أن يقرأوا ملف هذه القضية جيدا
قبل أن يعقدوا أى صفقة ارتجالية مع القذافى بخصوص تسوية تعويضات رحلة بانام
103.
ولقد بنى المحامى نيوبرغر هذه القضية، التى سيرفعها بمجمع محاكم واشنطن
العاصمة وسيبتّ فيها القاضى توماس بنفيلد جاكسون (Thomas Penfield Jackson)،
على ما دفعه القذافى من تعويضات لعائلات الضحايا الفرنسيين، ورسالته التى بعث
بها الى الرئيس شيراك معترفا "بالمسئولية الليبية" عن هذه الجريمة النكراء.
انه، وفى وسط هذا الضجيج والابتزاز الهائل، لمن المحزن حقا غياب الحديث عن
آلاف الضحايا الليبيين، الذين قتلهم وشردهم الإرهاب والعنف والغباء
والاستفراد بالسلطة والثروة والسلاح. ومتى ياترى يحين الوقت لكى نحمّل
المسئولية الشخصية لرأس النظام؟ بل ولكل أزلامه واحدا واحدا، ونتوجه بقضيتنا
للعالم حتى تأخذ العدالة مجراها، وتتم مقاضاة كل من أجرم فى حق شعبنا الصابر
وسفك دمائه، وأهدر ثرواته، ولوث سمعته…فيا ليبيو الشتات اتحدوا… وتعلموا كيف
يقضم القمع!
عبد الرحيم صالح
23.04.2005
Boomerang قطعة خشب معقوفة يتخذ منها الأستراليون الأصليون قذيفة يرشقون
بها هدف معين وترتد الى الرامى