مقــــــــالات
23.04.2005 15:49:28

اللقاء التشاورى القادم وهموم العمل الجماعى

فى هذه الظروف المعقدة والحرجة، يتطلب الوضع النضالى الوطنى الحالى بكل أثقاله ومشاكله وتحدياته من النخبة المعارضة إعادة صياغة برامجها ومهامها ومواقفها صياغة جديدة تتناسب مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، وتواكب المتغيرات الحثيثة بالساحات الوطنية والإقليمية والعالمية. وفى رأينا المتواضع، فالتقصير والضعف اللذان رافقا المسيرة النضالية فى العقود الماضية، إنما ينبعان أساساً من فشل مشروع العمل الوطنى الموحد، وعدم التمكن من إنجازه أو تحقيقه - بالشكل المطلوب - من قِبل فصائل وفِرق ومستقلّى النخبة المعارضة.

فلقد اتسم العمل التحالفى فى بداية انطلاقه بالعفوية والتخبط من جهة، والتشتت والتشرذم من جهة أخرى. إن ظروف النشأة بالخارج، وتفاقم قمع وشراسة النخبة الحاكمة بالداخل والخارج، والمبالغة بالعمل السرى، وتفشى ظاهرة "التمترس التنظيمى"، وسيطرة قيادات غير مؤهلة لإدارة المواجهة، وغياب البرامج الواقعية العملية، ونقص التصورات الواضحة، والانفصام عن المعاناة اليومية التى ترزح تحتها جماهير الشعب، كلها عوامل ساعدت على تعميق ضبابية المناهج والبرامج، وظهور الكثير من العناصر الإنتهازية، وانتشار الرّيبة والشكّ بين الأطراف المختلفة، وسيادة الشطحات العاطفية غير العلمية...إلخ

كانت التجربة الوطنية بالخارج تخطو خطواتها السياسية الأولى، وعكست بدرجة أو بأخرى بعضاً، إن لم نقل كثيراً، من ضيق الأفق وضحالة الوعى. لذلك ظلت عاجزة عن تطوير القدرات الذاتية أو عن لمّ الشتات لخلق حالة من الالتفاف والإستقطاب حولها، أو لتجاوز دائرة رد الفعل، والإنتقال إلى ساحة الفعل و التأثير، ولذلك فقدت القدرة تماماً فى التعبير عن القطاع الأكبر من قطاعات شعبنا فى الخارج، ناهيك عن جمهور الشعب بالداخل! إن هذا العجز وذلك الإخفاق هو الذى دفعنى إلى الدعوة الجادة بالنظر بعين النقد والتمحيص والتعمّق إلى ما آل إليه واقع النخبة المعارضة بالخارج، نظرة تتجاوز القشور إلى اللّب، والسطح إلى الجوهر. منطلقة فى ذلك من موقع الحرص الشديد على مستقبل حركة النضال الليبى والقضية الوطنية.

من هنا تكتسب مسألة العمل "التحالفى أو الإئتلافى" اليوم أهميتها الكبرى وخطورتها القصوى. إن مهمة إنجاز هذا العمل النضالى الكبير هو مسؤولية كل الطامحين إلى حشد الطاقات، ودفع كل الإمكانيات من أجل إعادة الحياة الدستورية وخلق نظام ديمقراطى فى ليبيا. إن أى تعطيل أو مماطلة فى تشكيل صيغة جماعية للنضال السلمى الموحّد، إنما يعنى سقوط المزيد من الضحايا، وتطويل فى عمر سلطة الإرهاب والقمع، التى تكمن أسباب استمرارها لا فى قوتها، بل فى ضعف القوى المواجهة لها. لابد إذاً من أن ترتفع من جديد وتيرة مطالبتنا بضرورة إعادة ربط مسائل وقضايا وهموم الكفاح الوطنى ببعضها، من أجل إكتشاف الصيغة الجماعية للعمل المشترك المفتوح - سواء أكانت هذه الصيغة جبهوية، أم تحالفية، أو ما بينهما - على ضوء المهام المتميّزة لواقع مرحلة نضالنا ضد الاستبداد والقمع وتغييب الحياة الدستورية.

يجب التأكيد هنا على اعتبار أن هذا الإطار الجماعى الوحدوى ما هو إلا نقطة الإنطلاق نحو توسيع وزيادة رموز وقاعدة العمل الوطنى، الذى يتطلب بدوره تعزيز الحوار الديموقراطى الداخلى الذى لابد وأن يكون مبنياً على رأى الأغلبية، وعلى مبدأ احترام رأى الأقلية احتفاءً بقواعد الوحدة والتمايز، وتمشياً مع حرية التعبير والتعبئة. فهذا العمل التكاتفى لن ينتزع مشروعيته القيادية، إلا بمدى تطوير قدرته على تمثيل مطالب وطموحات الغالبية العظمى من عناصره وأنصاره بشكل واضح وشفاف. ثم إن إنجاز وتحقيق هذا العمل التاريخى لن يحدث بين ليلة وضحاها!

بل هو، كما أثبتت التجربة، عملية طويلة وشاقة تتطور وتتعمّق وتتبلور خلال النضال اليومى المستمر، وخلال التفاعل الحرّ الخلاّق، لأجل إعادة ترتيب مهمات ومراحل النضال الدستورى، وبناء ليبيا المستقبل. ثم إنه أيضاً لا يمثل اختراعاً آنياً كفيلاً بحل كل مشاكل ومعضلات العمل، لكنه حتماً سيشكل نقلة حاسمة وضرورية قصد الإرتقاء بقضيتنا إلى مجالات أرحب، من شأنها أن تُكسب مواجهتنا قوة ومرونة وفعالية لا تتوفر لنا تحت أوضاع التفرق والتمزق.

وهكذا فإن هذا الإطار، الجماعى، المرحلى، المرتقب، لن يلغِ واقع التنوع والتمايز الذى تنطوى عليه تجربتنا النضالية بالخارج، لكنه سيسهّل انبثاق إرادة جماعية على كل المستويات، من شأنها إثراء المواقف، واستثمار كافة الجهود والإمكانيات التى ستغنى نضالنا بطاقات متجددة وفاعلة على الدوام. فبدون ذلك لن يتأتى لنا مواجهة الممارسات الدموية، والإستفراد بالسلطة، والهيمنة البشعة على مقدرات الوطن بناسه وثرواته، ولن نتمكن من التصدى لتطويق ممارسات النخبة الحاكمة التى تخشى الرأى المختلف وتقمعه بقوة الحديد والنار. إن نجاح هذا النشاط التوحيدى، حسب رأينا، يرتكز على منطلقات وأسس يمكن التعرض لبعضها كما يلى:

أولاً: يتطلب هذا الإطار إدراكاً متميزاً لطبيعة المرحلة الوطنية ومهامها ومحطاتها وآلياتها، وذلك بوضع برنامجاً يشتمل على أهداف قابلة للتحقق. إذ لا تكمن العبرة فى عدد الأفكار التى نناقشها، ولكنها تكمن فى الأفكار القابلة للتنفيذ، كما يجب أن يكون هذا البرنامج واضحاً فى تحديد كافة أبعاد التحرك بجانبيها التكتيكى والإستراتيجى، على أساس فهم علمى لمتطلبات هذه الفترة واحتياجاتها، من خلال رؤيا سياسية واضحة، ومنهج علمى ناضج. كما يتطلب قيادة جديدة شابة، قادرة على العمل والعطاء دون كلل أو ملل، ولا تعوقها سلبيات الماضى و مشاكل التجربة السابقة وإحباطاتها المتكررة.

ثانياً: لا مناص من أن يكون هذا العمل اختياراً إرادياً واعياً خالياً من كافة أشكال الإكراه أو القسر أو الضغط أو المجاملة، ومتصلاً بالقاعدة، منها يستمد جميع شعاراته، وبرامجه، ومواقفه، حتى لا يكون إطاراً فوقياً ومعزولاً عن مطالب وطموحات الأكثرية التى يمثّلها أو يناضل من أجل قضيتها.

ثالثاً: ضرورة أن يستند هذا الإطار على دعامات ديموقراطية واضحة. ولا أعنى هنا ديموقراطية شكلية أو لفظية، ولكننى أقصد الديموقراطية المتلازمة بالممارسة والتطبيق، فتتبع رأى الأغلبية، وتحترم رأى الأقلّية، وتكون صرحاً لتكافؤ الفرص، بحيث تكون المساواة قاعدتها، والحرص على استقلالية ومبدئية القرار الوطنى هاجسها وهدفها المركزى.

رابعاً: النضال السلمى من أجل إعادة الحياة الدستورية هو بالأساس عمل تثقيفى ينمو ويزدهر بازدهار الحوار والنقاش والتفاعل بين الداخل والخارج، وبين القاعدة والقيادة. وحتى يكون هذا الجهد مثمراً، لابد له وأن يكون منفتحاً على كل الاتجاهات، ومطّلعاً على كل الأراء، متصلاً بالناس، محتكاً بالأصدقاء والحلفاء والمؤيدين، وخالقاً لقنوات الاتصال والتواصل مع المنظمات الحقوقية والنقابية والهيئات الوطنية والقومية والدولية.

خامساً: من الضرورى حماية هذا الإطار بتطويق مظاهر التمحور الشللى، أوالعشائرى، أو القبلى الضّيق، ومحاولات التشكيك والمزايدات الأيديولوجية التى تعمل على تهميش وإضعاف الطموحات الوطنية والمطالب الدستورية، وتسعى إلى قتل المبادرات الجادة فى توحيد ورصّ الصفوف. كذلك من الضرورى الانتباه إلى كل الذين سيحاولون إغراق هذا المجهود فى دوامة تقاسم الامتيازات، أو إفراز عقد الزعامة والرئاسة والقيادة، بدلاً من التركيز على تقريب وجهات النظر وتنقية الأجواء كمنطلق لتقريب يوم الخلاص، وتحقيق الإصلاح الدستورى المنشود داخل أسوار الوطن.

ماذا نقصد من كل هذا؟

وللإجابة، لا نريد أن نبتعد كثيراً.

فحينما يتعرض شعباً من الشعوب للخطر، فإنه يحشد جميع أسباب القوة للتغلب على هذا الخطر. ويحدثنا تاريخنا القديم والحديث أن "وحدة" الشعب هى ركيزة أسباب القوة جميعاً، وأنه بدون هذه الوحدة لا تفشل الشعوب فى تحقيق أهدافها فحسب، بل إنها تتعرض للفناء المحقق. ولذلك فأعداء الشعوب يركّزون جهودهم من أجل البعثرة والتفرقة، لأنهم يدركون سلفاً أنهم إذا حطموا وحدة الشعب، انفتحت أمامهم كافة الأبواب للسيطرة والبقاء.

إن تشتت الجهود وتبعثر الإمكانيات – مهما كانت التنظيرات أو التبريرات – يخدم فى النهاية استمرار القمع والبطش والديكتاتورية. وكما يقول المثل الشعبى: اليد الواحدة لا تصفق!

فإلى متى يا تُرى يستمر المعارضين فى الخارج بالتصفيق على انفراد؟

نأمل أن تكون هذه الملاحظات الموجزة فاتحة خيرٍ لحوار هادىء ورصين، ينتج عنه تصوراً متكاملاً – من حيث الشكل والمضمون والإدارة… _ لإنهاء واقع التفتت المدمّر. ويٌدشن نموذجاً عصرياً للعمل الجماعى السديد، الذى تحتذى به الأجيال، حتى يصبح ما نصبوا إليه جميعاً، ونحلم به، أمراً متحققاً على أرض الواقع.

كما نأمل أيضاً نجاح الملتقى التشاورى القادم ليصبح نقطة تحول فى إرساء دعائم متينة لتقوية تفاعلنا المستمر نحو مزيداً من رصّ الصفوف سياسياً وحقوقياً ومهنياً حتى نتمكن من لمّ الشمل، وتوحيد الأهداف، وإعلاء المطالب الوطنية العادلة بشكل سلمى فعّال.

عبد الرحيم صالح

 
جميع الحقوق محفوظة للتحالف الليبى الأمريكى من أجل الحرية. 2003-2006 ©

الموضوعات والمقالات الموقعة بأسماء أصحابها لا تعكس بالضرورة آراء التحالف الليبى من أجل الحرية