العوامل
التاريخيّة التي أدّت إلى استقلال ليبيا ودستورها
بقلم: مفتاح السيد الشريف
بتاريخ 21
نوفمبر 1949
وافقت الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة بأغلبيّة
49 صوتا ضدّ صوت
واحد وامتناع تسعة عن التصويت،على القرار رقم
289
(IV)باستقلال ليبيا ونصّه (بعد
الدّيباجة):"إن ليبيا التي تضمّ برقة وطرابلس الغرب وفزّان عليها
أن تشكّل دولة مستقلّة ذات سيادة – ينبغي أن
يتُحقّق هذا الإستقلال بأسرع ما يمكن،بحيث لا يتأخّر،بأي حال من
الأحوال،عن أوّل يناير 1952
–أن دستورا لليبيا مع شكل الحكومة
ينبغي أن يُقرّر من قبل ممثلي السكّان في برقة وطرابلس الغرب
وفزّان الذين سيجتمعون ويتشاورون معا في جمعيّة وطنيّة- من أجل
مساعدة شعب ليبيا في صياغة الدستور وإقامة حكومة مستقلّة،ينبغي
تعيين مفوّض للأمم المتحدة في ليبيا من قبل الجمعيّة العامّة،كما
تعيّن مجلسا ليساعده ويُسدي له النُّصح – أن يرفع مفوّض الأمم
المتحدة،بالتشاور مع المجلس،تقريرا سنويّا للسكرتير العام وأية
تقارير أخرى يراها ضروريّة،على أن ترفق مع هذه التقارير أية
مذكّرة أو وثيقة يرغب مفوّض الأمم المتحدة أو عضو من المجلس في
لفت إنتباه الأمم المتحدة إليها – يتكوّن المجلس من عشرة أعضاء
هم :عضو تعيّنه كلّ حكومة من الدول التالية:
مصر،فرنسا،إيطاليا،باكستان،بريطانيا،والولايات المتحدة وممثّل عن
الشعب في كل من أقاليم ليبيا الثلاثة،وكذلك ممثّل عن الأقليّات
في ليبيا"وعلى المفوّض أن يعيّن الممثّلين المحليين المشار إليهم
"بعد إستشارة السلطات الإداريّة والشخصيّات القياديّة وممثّلي
الأحزاب السياسيّة والمنظّمات في الأراضي المعنيّة". وطلب القرار
من السلطات الإداريّة بالتعاون مع المفوّض "لكي تبادر فورا
باتخاذ كل الخطوات بنقل السلطة إلى الحكومة المستقلّة التي
ستتكوّن،وأن تقوم بإدارة الأراضي بهدف المساعدة في تحقيق وحدة
ليبيا واستقلالها،والتعاون لتكوين مؤسّسات حكوميّة وتنسّق بين
أنشطتها،وتقدّم تقريرا سنويّا للجمعيّة العامّة عن الخطوات
المتخذة لتنفيذ هذه التوصيات. وبعد تكوينها كدولة مستقلّة،ينبغي
ضمّ ليبيا إلى عضويةّ الأمم المتحدة". هذا وقدعُيّن المستر
أدريان بيلت الهولندي مفوّضا للأمم المتحدة بقرار من الجمعيّة
العامّة بتاريخ 10
ديسمبر من نفس العام.
هذا القرار التاريخي الذي أصدرته أعلى منظمّة دوليّة،وهي
في بداية نشاطها غداة الحرب العالميّة الثانية،إمتاز بكونه
الأوّل الذي يصدره المجتمع الدولي – إذا استثنينا قرار تقسيم
فلسطين- وفي الحقيقة كان القرار تتويجا لصراع دام مرير خاضه شعب
صغير فقير كان يعيش في "صندوق مقفل من الرمال" كما نعت ليبيا
الإستعماريّون الإيطاليّون،عبر عهود من الزمن الغابر ضدّ قوى
العدوان والإغتصاب الأجنبيين التي اختُتمت بالإستعمار الإيطالي.
كما أن القرار الذي أثبتناه هنا كمقدّمة،جاء أيضا نهاية لصراع
دولي آخر جرى في المحافل الدوليّة،وتزامن مع النضال السياسي
لجماهير الشعب الليبي الذي لم ينقطع أويفتر حتى تحقّقت أمانيه.
وفي الصفحات التالية سرد مختصر لمراحل بحث مسألة ليبيا
في أروقة الأمم المتحدة والذي دام لمدّة سنتين تقريبا،إذ أن
المحاور الرئيسيّة التي ميّزت القضيّة والمواقف الوطنيّة
والدوليّة حولها تمثّلت في : ---1إستقلال
ليبيا أم وضعها تحت الوصاية الدّوليّة –
2 – وحدتها أم
تقسيمها إلى كيانات ثلاثة – 3
–مسألة ترأس الدولة الجديدة وهل ينبغي أن
يتولاّها (الأمير) محمّد إدريس السنوسي؟.
وهذه المحاور ملازمة عضويّا لوضع دستور للدولة
الجديدة،فالحالة الليبيّة فريدة من هذه الناحية بين دول ما كان
يُسمّى بالعالم الثالث –قبل بزوغ عصر العولمة- فقد تبنّى المجتمع
الدولي،ممثّلا في الأمم المتحدة، إنشاء دولة ليبيا. وكان هاجس
أهل ليبيا وقيادتها عبر مراحل الصراع هو وضع دستور للكيان
الجديد،أي
وثيقة تتضمن مجموعة القواعد المحددة لفلسفة وشكل الدولة،وتضبط
سلطاتها،وتضفي المشروعية على ممارستها.
فقد كان (دستور) الدولة ملازما لنشوئها. وهو ما سنوضّحه في هذه
الورقة.
صراع المنتصرين
بعد هزيمة المحور في الحرب العالميّة الثانية انعقد
إجتماع بوتسدام (ألمانيا) في يوليو
1945 بين رؤساء الدول المنتصرة
ترومان وستالين وتشرشل،وبحثوا مسألة معاهدة الصلح مع إيطاليا
ومصير مستعمراتها السابقة في أفريقيا (ليبيا والصومال الإيطالي
وأريتريا). وهذا الإجتماع جاء مباشرة بعد التوقيع يوم
27 يونيو
1945 من قبل
خمسين دولة أعضاء منظّمة الأمم المتحدة الجديدة على ميثاقها،وبما
أن الفصول (11)
و12) و13)
من الميثاق خّصّصت لتنظيم شئون الوصاية على المستعمرات،فقد كان
الفصل (11)
المتعلّق ب "الإعلان حول الأراضي غير المحكومة من نفسها" هو الذي
عولجت بموجبه المستعمرات الإيطاليّة السابقة ومن إبرزها
ليبيا،لأنه نصّ في المادّة (73)
منه على "أن تلتزم الدول الأعضاء بالإعتراف بمبدأ أن مصالح سكّان
هذه الأراضي هي سامية،والقبول بواجب تطوير رفاهيّة سكّان هذه
الأراضي،كأمانة مقدّسة تقع على عاتقها" وطُلب من الأدول الأعضاء
– مع واجبات أخرى- "أن تنمّي حكومات ذاتيّة،وأن تولي الإهتمام
اللازم للمطامح السياسيّة لشعوبها،وأن تساعدها في التطوير
المتواصل لمؤسّساتها السياسيّة،حسب الظروف الخاصّة بكل من هذه
الأراضي وشعوبها ومختلف مراحل تقدّمها،وجاء في المادة (83)
أن الجهة المنوط بها إدارة هذه الأراضي "يمكن أن تكون إحدى الدول
أو أكثر أو المنظّمة نفسه". ولهذا بادر ستالين في المؤتمر وطالب
بالبثّ في الوصاية الدّوليّة على هذه المستعمرات فورا،عارضا
إستعداد بلاده للمساهمة في أعبائها. ولكن الأمر،لارتباطه بمسائل
الصلح الأخرى مع إيطاليا،رؤي أن يحال إلى اجتماع لمجلس وزراء
الخارجيّة الذي ضمّ فرنسا أيضا وانعقد بلندن في سبتمبر من نفس
السنة. وهنا ظهر التباين بينهم لأوّل وهلة،فبيفين وزير خارجيّة
بريطانيا اقترح أن تعلن إيطاليا تنازلها رسميّا عن
مستعمراتها،بينما عارضه جورج بيدو وزير خارجيّة فرنسا مقترحا
عودتها تحت الحكم الإيطالي،لكن مولوتوف وزير خارجيّة الإتحاد
السوفييتي رأي أن توضع كافة المستعمرات تحت إدارة الدول الأربع
الكبرى مشيرا إلى استعداد حكومته لتسلّم إدارة إقليم طرابلس. ومن
ناحيته اقترح جيمس بيرنز وزير خارجيّة الولايات المتحدة
الأمريكيّة أن توضع تحت وصاية الأمم المتحدة لمدّة عشر سنوات
تُمنح بعدها ليبيا الإستقلال. وحيال هذا الإختلاف طُلب من وكلاء
الوزراء الأربعة بحث الموضوع والتوصّل إلى تسوية بشأنه. ولكن
عندما اجتمع الوزراء الأربعة بباريس في أبريل
1946 ووجدوا أن
وكلاءهم لم يتوصّلوا إلى التسوية المنشودة،تقدّم الوزير
البريطاني باقتراح منح ليبيا إستقلالها في الحال،وعارضه الوزير
السوفييتي،مشتبها في أن بريطانيا،كدولة محتلّة وحاكمة للبلاد،سوف
تكيّف الحكم الجديد لمصالحها الستراتيجيّة،ولذلك فضّل إعادة
الإدارة الإيطاليّة للبلاد (وقد أتهم الإتحاد السوفييتي بتملّق
إيطاليا لأن الإنتخابات الإيطاليّة العامّة كانت على الأبواب
وحظوظ فوز الحزب الشيوعي فيها قويّة) أي أنه أيّد الإقتراح
الفرنسي السابق. أمّا الوزير الأميريكي فاقترح أنه في حالة إعادة
حكم البلاد لإيطاليا، فيجب أن يكون لمدّة معيّنة تُمنح بعدها
الإستقلال. ثمّ عقد الوزراء إجتماعا آخر بباريس أيضا في يونيو من
نفس العام ليجدوا أنفسهم يدورون في نفس الحلقة المفرغة بسبب
تمسّك كلّ منهم بمصالح دولته المتضاربة مع مصالح الأخرى،ولذلك
دعا الوزير الأميريكي إلى تأجيل مناقشة القضيّة لمدّة سنة،قد
تتقارب خلالها المواقف وتنشأ ظروف جديدة تتيح التسوية.
وجاءت فرصة معاهدة الصلح مع إيطاليا التي وقّعوها بمقرّ
وزارة الخارجيّة الفرنسيّة بتاريخ 10
فبراير 1947،وما
نصّت عليه في المادّة 23
من تنازل إيطاليا عن مستعمراتها الأفريقيّة المذكورة،وأن تستمرّ
هذه الأقطار تحت إدارة سلطات الإحتلال المحرّرة لها إلى أن يُبتّ
في مستقبلها. وصدر عنهم بيان يتعلّق بالمستعمرات يمكن إجمال
فحواه في النقاط التالية :- تصميم الحكومات الأربع على التوصّل
إلى حلّ نهائي بشأنها في مدّة لا تزيد عن سنة من تاريخ التصديق
على المعاهدة،وإلاّ أحيلت القضيّة إلى الجمعيّة العامّة للأمم
المتحدة. وبما أن هذا التصديق استُوفي يوم
15 سبتمبر
1947 فقد صار
من الضروري إيجاد الحلّ في سبتمبر1948
- يجب أن يراعى في الحلّ إتخاذ رغبات
السكّان وحاجاتهم بعين الإعتبار،مع المحافظة على السلم والأمن
العالميين ومصالح الدول الأخرى ذات العلاقة- يواصل وكلاء
الوزارات الأربع بحث القضيّة وتقديم مقترحاتهم إلى وزراء
الخارجيّة،وعليهم في سبيل إنجاز مهمّتهم إرسال لجان تحقيق إلى
المستعمرات المذكورة لاستطلاع وجهات نظر سكّانها. وانتهزت
الحكومة الإيطاليّة الفرصة فقدّمت في أكتوبر
1947 مذكّرة
مطوّلة لوزراء خارجيّة الدول المنتصرة أشادت فيها بالإنجازات
التي حقّقتها في مستعمرتها الليبيّة،حتى أنها صوّرتها بأنها تكاد
تكون معجزة إذا أخذ المرء بعين الإعتبار ما اعترض هذه الأعمال من
عقبات والتي كان سببها الأعمال العسكريّة التي استمرت في طرابلس
حتى عام 1925
وفي برقة حتى عام 1931–
دون أن تذكر أن أسباب هذه العمليّات العسكريّة هي مقاومة الشعب
الليبي الباسلة ضد الإحتلال والتي لم تتوقّف طيلة استعمارها
للبلاد حتى عام 1931تاريخ
شنقق زعيم المقاومة الشيخ المسنّ عمر المختار- واستطردت المذكّرة
لتفتخر بالقانون الأساسي الذي أصدرته عام
1919 وأصبح
الليبيون بموجبه "مواطنين إيطاليين مع احتفاظهم بأحوالهم
الشخصيّة وفقا للشريعة الإسلاميّة... وهذا كان الأساس للحكم
الذاتي للسكّان الليبيين الذين حقّقوا عمليّة الإندماج دون مساس
بوهويّتهم وعاداتهم وتقاليدهم" والحكومة الإيطاليّة بهذا القول
زيّفت حقائق التاريخ،التي تثبت أن دولة الإستعمار سرعان ما
تنكّرت لهذه "الإنجازات" ولم تسمح لوفد الحركة الوطنيّة التي
أعلنت "الجمهوريّة الطرابلسيّة" تتويجا لنضال الشعب،بمقابلة
مسئوليها،عندما زار روما للتفاوض حول تنفيذ نصوص القانون،عدا
مقابلته القصيرة لوزير المستعمرات بعد مضيّ ستة أشهر من
الإنتظار،ليبلغهم أن عليهم أن يطلقوا سراح الأسرى الإيطاليين ولا
شيء غير ذلك! كما أسقطت المذكّرة عمدا ذكر أن هذه "الإنجازات"
حدثت قبل مجيء الحكم الفاشي الذي ألغى كلّ الأتفاقات،واقترف
جرائم الشنق والتقتيل وابتكر المحكمة الطائرة وإقامة معتقلات
الإبادة الجماعيّة للسكّان الأبرياء العزّل قبل أن يقيمها الحكم
النّازي لليهود في ألمانيا وجاراتها بأكثر من عشر سنوات.. وبعد
ذلك أوردت المذكّرة بالأرقام ما صرفته إيطاليا منذ ميزانيّة
1913 –
1914حتى
ميزانيّة 1941-1942
والذي بلغ مليارا وثمانمائة مليون ليرة(بسعر
الصرف قبل الحرب). والأغرب من هذا كلّه أن مندوبي إيطاليا في
مناقشات القضيّة برّروا دعاوى حكومتهم في الوصاية على طرابلس
الغرب،بأن إكتظاظ إيطاليا بالسكّان مع قلّة الموارد
الإقتصاديّة،يجيز لها أن تحصل على أراضي خارجيّة تخفّف من
الأزمة.وكانت هذه بالضبط الحجّة التي أعلنوها كمبرّر للغزوعام
1911 .
وجدير بالذكر أن الحركة الوطنيّة الليبيّة لم تتوان عن
مخاطبة الدول الأربع المنتصرة موضّحة من ناحيتها مطالب الشعب
الليبي مسنودة بالموقف العربي الموحّد الذي اتخذه الملوك
والرؤساء العرب في اجتماعهم بأنشاص بالقاهرة يومي
28 و
29 مايو عام
1946
"متفقين تمام الإتفاق على أن إستقلال ليبيا أمر طبيعي وعادل وأن
حكوماتهم متفقة على ضرورته لأمن مصر والبلاد العربيّة وأن على
الجامعة العربيّة أن تهييء الأسباب لهذا الإستقلال وأن تتعهّده
بالرعاية اللآزمة لظهور حكومة عربيّة في تلك البلاد ومعاونتها
أدبيّا وماديّا حتى تستطيع النهوض بمسئوليّتها داخلا وخارجا كعضو
من أعضاء جامعة الدول العربيّة" وعلى الفور تكتلّت تيّارات
الحركة الإستقلاليّة الوحدويّة في طرابلس وبرقة وعقدت سلسلة
مشاورات أبرقت على أثرها "الجبهة الوطنيّة المتحدة" في طرابلس-
بمجرّد تشكيلها- بمطالب الشعب الليبي إلى مجلس وزراء الدول
الأربع الكبرى في يونيو 1946،وإرسل
لجنة تقصّي حقائق لمعرفة آراء الشعب الليبي،على أثر ما تناقلته
الأنباء من تحرّك فرنسي بريطاني يسعى إلى عودة إيطاليا لحكم
طرابلس الغرب. كما أن "هيئة تحرير ليبيا" التي شكّلها في القاهرة
بتاريخ 23
مايو 1947
الزعماء الوطنيّون اللاجئون إليها جرّاء البطش الفاشيستي،أرسلت
مذكّرة إلى الوزراء المذكورين،وذلك غداة توقيعهم معاهدة الصلح مع
إيطاليا. وقد بيّنوا فيها مطلب الوحدة بين أقاليم البلاد الثلاثة
التي ربطت بينها الجذور والعناصر التاريخيّة والإثنيّة،وضرورتها
الإقتصاديّة،وكذلك مطلب الإستقلال الذي خاض الشعب الليبي
الصراعات من أجله،وحقّقه عبرالسنين،منوّهين بأن إتفاقيتي لوزان
عام 1912
وعام 1923
بين تركيا وإيطاليا،وتنازل إيطاليا عن المستعمرة الليبيّة بموجب
إتفاقيّة الصلح تسوّغ جميعها حقّ الشعب الليبي في أن يدير زمام
أموره بنفسه كامل الإستقلال والسيادة على أراضيه. كما نشطت
ألأمانة العامّة للجامعة العربيّة وخاصة الوفود العربيّة وعلى
رأسها الوفد المصري في تبنّي هذه المطالب.تنفيذا لقرارات الرؤساء
العرب.
وفعلا كوّنت الدول الأربع الكبرى لجنة التحقيق المذكورة
من أربعة ممثلين. وبعد زيارتها لكل من أريتريا والصومال،جاءت إلى
ليبيا في 6
مارس 1948
وتجوّلت فيها حتى العشرين من مايو،حيث اتصلت بمسئولي الإدارت
العسكريّة في الأقاليم الثلاثة،وكذلك بممثّلي الأحزاب السياسيّة
والهيئات والأفراد،بمن فيهم ممثلو الجاليتين الإيطاليّة
واليهوديّة.
وفي الأوّل من يوليو قدّمت اللجنة تقريرها لمجلس
الوكلاء،وملخّصه: معظم سكّان ليبيا أمّيون وفي حالة بداوة –
تفتقر البلاد بأجمعها،وفي أي إقليم منها،لموارد الإكتفاء الذّاتي
ولذا لابدّ لها من عون خارجي- تُجمع الأحزاب السياسيّة الرئيسيّة
على استقلال ليبيا ووحدتها وانضمامها كعضو في جامعة الدول
العربيّة – اشترط المؤتمر الوطني البرقاوي،الذي يضمّ بصفة خاصّة
شيوخ القبائل وشخصيّات مقرّبة من جمعيّة عمر المختارالممثّلة
لإنتليجينسيا المدن ويرأسه أفراد العائلة السنوسيّة،أن تتمّ
الوحدة في شكل ملكيّة وراثيّة على رأسها الأمير محمد إدريس
السنوسي،وأن لا يُسمح للإيطاليين بالعودة إلى برقة مهما كانت
الأحوال- لمّحت اللجنة إلى رغبة الأمير إدريس في عقد معاهدة
تحالف مع بريطانيا-إن الأقليّة الإيطاليّة في طرابلس ترغب في
عودة البلاد إلى الحكم الإيطالي،وهو ما يرفضه أهل طرابلس رفضا
باتّا – أبدى السكّان الرغبة الأكيدة في إنهاء حكم الإدارتين
العسكريّتين البريطانيّة في برقة وطرابلس،وإن تردّدوا بالنسبة
للإدارة الفرنسيّة في فزّان.
وعندما عُرض التقرير المذكور على مجلس وزراء الخارجيّة
الأربعة في 3
سبتمبر 1948
تضاربت مواقفهم حول القضيّة مجدّدا: فاقترح الفرنسي تأجيل البتّ
فيها لمدّة سنة إضافيّة،وارتأى الرّوسي أن توضع جميع المستعمرات
تحت وصاية الأمم المتحدة المشتركة،بينما تقدّم البريطاني
والأميريكي باقتراح يدعو إلى وضع برقة تحت الوصاية البريطانيّة
ويُترك تقرير وضع طرابلس وفزّان إلى وقت آخر. وقد تباينت مواقف
تسع عشرة دولة أخرى "ذات علاقة" باعتبارها موقّعة على إتفاقيّة
الصلح مع إيطاليا،وفقا لاتجاهات الأربع الكبرى. فيما عدا مصر
(مطالبة بالإستقلال أو وصاية الجامعة العربيّة أو أحد أعضائها،مع
تعديل حدودها مع ليبيا لصالحها)،والباكستان (الوحدة والإستقلال
تحت التاج السنوسي مع إشراف دولي بمشاركة مصر)،والهند (وصاية
الأمم المتحدة)
الصراع الأممي:
وأمام هذا الفشل تقرّر أن تحال القضيّة برمّتها إلى
الدورة الثالثة للجمعيّة العامّة العادية المقرّر انعقادها
بباريس في 15
سبتمبر 1948.
ورغم إدراجها في جدول الأعمال،إلاّ أنها لم تناقش إلاّ في منتصف
الدورة الثانية لاجتماع نيويورك (ليك ساكسيس) في أبريل
1949. ولقد
اتضح أن الصراع بين الدول الأربعة الكبرى لم يكن مردّه إلى أمور
تتعلّق بمصيرسكّان ليبيا وإعادة تعمير بلادهم التي دمّرتها الحرب
تدميرا شبه كامل مع قتل وتشريد مئات الألوف من أبناء شعبها
الصغير،كما لم تكن بليبيا – ومعظمها صحراء قاحلة شاسعة- موارد أو
قدرات إقتصادية تُغري باستغلالها أو تقاسمها. بل كانت المصالح
الجيوبوليتيكيّة لكل من الدول الأربعة هي التي تحكّمت في
مواقفها. فكانت نيّة بريطانيا،دولة الإدارة العسكريّة المحتلّة
في إقليمي برقة وطرابلس وتتبعها فرنسا،دولة الإدارة العسكريّة
المحتلّة في إقليم فزّان،مبيّتة على ترسيخ بقائهما مع قواعدها
العسكريّة التي أقامتها في البلاد لأطول مدّة ممكنة،مؤيّدتين من
الولايات المتحدة التي استولت على مطار الملاّحة الجويّ في
طرابلس وأصبح من أهمّ قواعدها العسكريّة في العالم. وهذه الدول
الثلاث حرصت على احتفاظها بالموقع الستراتيجي العسكري
لليبيا،غداة بروز نُذر الحرب الباردة،وعملت على حرمان الإتحاد
السوفييتي من هذه الميزة. ولذلك فتحويل كامل الملفّ إلى الأمم
المتحدة أضفى الطّابع الدولي على القضيّة،وانتشلها من دائرة
المساومات والصفقات السريّة وجعلها علنيّة أمام أنظار الرأي
العام الدّولي. وهنا يمكن القول إن شرارة الحرب الباردة متمثّلة
في الإتهامات المتبادلة بين المعسكرين الشرقي والغربي برزت للعلن
أثناء المداولات حول قضيّة ليبيا،فالتحالف السّابق بينهما أملته
الحرب ضدّ المحور عام 1941،وكان
إلتزاما شخصيّا من الرئيس روزفيلت لمساعدة الإتحاد السوفييتي دون
أن يصوّت عليه الكونجرس. وفي مؤتمر يالطا عام
1945 شعر
الجانبان بالنوايا العدوانيّة المضمرة ضدّ بعضهما البعض،فستالين
رغب في نشر الشيوعيّة في البلدان المجاورة لبلاده والذي أفضى إلى
تكوين الكومنترن،وأميريكا أخذت في تعزيز قواعدها العسكريّة
وسيطرتها الإقتصاديّة في أوربّا الغربيّة،وجاء مشروع مارشال
دليلا على ذلك. ولكن الصراع على المستعمرات الإيطاليّة،ومحورها
ليبيا،أظهر العداء بين المعسكرين إلى العلن في أروقة الأمم
المتحدة.
وقد قرّرت الجمعيّة العامة إحالة القضيّة إلى اللجنة
الأولى (السياسة والأمن) التي طلبت من إيطاليا أن تبعث مندوبين
لحضور المناقشات دون الحقّ في التصويت،وباقتراح من وفد
باكستان،مدعوما بالوفود العربيّة،وافقت أيضا على الإستماع إلى
مندوبي المنظّمات السياسيّة والأهليّة في ليبيا،التي حضر عنها
ممثّلون من:"هيئة تحرير ليبيا"(المشكّلة من بعض زعماء طرابلس في
المهجر) و"المؤتمر الوطني البرقاوي" و"الجمعيّة الوطنيّة
للاّجئين من ليبيا وشرقي أفريقيا" و"جمعيّة قدامى الموظّفين
الليبيين" و"ممثّلي الطّائفة اليهوديّة في طرابلس".. ولكن شقّة
الخلاف إزدادت بين المعسكرين حول مصير ليبيا،لأن الإتحاد
السّوفييتي طالب بانسحاب القوّات البريطانيّة منها وأن توضع تحت
وصاية الأمم المتحدة،ولكن بريطانيا والولايات المتحدة تعلّلتا
بأن السلام لن يتمّ في المنطقة بوصاية الأمم المتحدة التي تفتقر
إيضا إلى الموارد الماليّة والفنيّة اللازمة. وهنا تبلورت
تكتّلات العالم الثالث آنذاك حول المعسكرين المتخاصمين: فتكتّل
دول أمريكا اللاتينيّة ناور بإقتراح تأجيل النظر في القضيّة حتى
الدورة الراّبعة للجمعيّة العامّة،وفي الأثناء تشكّل لجنة من
بريطانيا وأمريكا وفرنسا ومصر،لتقوم بوضع مشروع قرار يحدّد
الشروط والمدّة التي توضع فيها ليبيا تحت الوصاية. وعند النقاش
فشل تمرير هذا الإقتراح،فتحوّلت هذه الكتلة إلى التقدّم باقتراح
آخر يدعو إلى وضع ليبيا تحت الوصاية الإيطاليّة. وفي الجانب
المقابل تكوّنت كتلة مضادّة من الدول العربيّة والأسيويّة مسنودة
من الكتلة السّوفييتيّة تطالب بمنح ليبيا الموحّدة الإستقلال
الناجز.
إنكشاف المؤامرة:
وأمام هذه الخلافات شكّلت اللجنة الأولى لجنة فرعيّة لكي
تقدّم مشروعا يرضي جميع الأطراف. ولكن عندما اجتمعت هذه اللجنة
الفرعيّة في يومها الأوّل،جاء الخبر بأن إرنيست بيفين وزير
خارجيّة بريطانيا والكونت كارلو سفورزا وزير خارجيّة إيطاليا
توصّلا إلى اتفاق تسوية في لندن حول المستعمرات تقوم على أساس
الوعد الذي أعطته بريطانيا للسيد إدريس السنوسي أثناء
الحرب،بألاّ يسمح لإيطاليا بالعودة لحكم إقليم برقة،الذي يوضع
تحت وصاية الأمم المتحدة وتتولّى بريطانيا إدارته،وتوضع طرابلس
الغرب تحت نفس الوصاية وتتولّي إيطاليا إدارته،وتوضع فزّان تحت
الوصاية مع تولّي فرنسا إدارته،على أن تصبح ليبيا دولة مستقلّة
بعد نهاية عشر سنوات من الوصاية المذكورة،فإذا ماوافقت الأمم
المتحدة فإن إدارة إيطاليا لطرابلس الغرب تبدأ في عام
1951،وهو الموعد
الذي تنهي فيه الإدارة العسكريّة البريطانيّة المؤقّتة للبلاد.
ونصّ المشروع أيضا على تكوين مجلس إستشاري مكوّن من الدول التي
ذكرها المشروع اللاتيني ومعها ممثّلون عن شعب البلاد،وتتحدّد
مهمّاته بالتشاور مع الإدارات الوصيّة الثلاث،التي بدورها تقوم
بالتعاون والتنسيق فيما بينها بحيث لا يُعرقل نيل البلاد
لاستقلالها.ويكون مجلس الوصاية مسئولا عن تنفيذ المشروع. ولمّا
عُرض المشروع على اللجنة أثار عاصفة من النقد خاصة من أعضاء
الكتلة العربيّة الأسيويّة مؤيّدة من الكتلة السوفييتيّة،وانصبّ
النقد على كون المشروع اتفق عليه خارج الأمم المتحدة،وما هو إلاّ
تقاسم مصالح بين الدول الأجنبيّة،متجاهلا مطامح ورغبات أهل
البلاد،وأنه وضع اللبنات لتقسيمها على الرغم من أن مبدأ الوحدة
كان مقبولا من الجميع. وقدّمت الوفود المعارضة عدّة تعديلات
عليه،رُفضت جميعها أثناء التصويت،ماعدا تعديل نرويجي يدعو إلى أن
يكون استقلال البلاد تلقائيّا بعد مرور السنوات العشر،ما لم
تقرّر الجمعيّة العامّة غير ذلك. وحين طُرح مشروع القرار على
الجمعيّة العامّة للتصويت يوم 13
مايو على أساس فقرة فقرة نال الأغلبيّة لتكاتف الكتلة اللآتينيّة
والأوربيّة،ماعدا الفقرة المتعلّقة بوصاية إيطاليا على طرابلس
الغرب،فقد حصلت على 33
صوتا ضدّ 17
صوتا وامتناع 8
أصوات،أي بأقلّ صوت واحد عن غالبيّة الثلثين
المقرّرة. وكان صوت مندوب هايتي (إميل سان لو) ضمن المعارضين،
وبما أن كتلة أمريكا اللآتينيّة صُدمت لفشل التصويت على هذه
الفقرة،فإنها لم تدعّم الفقرة المتعلّقة بوصاية بريطانيا على
برقة،وبذلك سقط المشروع بمجمله لأنه نال
14 صوتا ضدّ
37
صوتا تمثّل الكتلة العربيّة الأسيويّة مع الكتلتين السوفييتيّة
وأمريكا اللآتينيةّ و 7
إمتناع عن التصويت.
وقد أعطى ممثّل بريطانيا المستر ماكنيل أثناء تقديمه
لمشروع القرار مبرّرات له،منها ما تكبّدته بلاده من خسائر لتسديد
عجز الم