مقــــــــالات
23.04.2005 15:51:04

المعارضة الليبية ومنعطف الاستسلام

نزعت المعارضة الليبية بالخارج، إبان مراحل تأسيسها الأولى فى أواسط عقد السبعينيات من القرن الماضى، إلى اعتماد مفهوم النضال السرى المؤطر حزبياً، والذى يحمل مشروعاً جذرياً لتغيير المجتمع وبناء نموذجها "البديل" على أنقاض النظام الحاكم. فلقد كان السلوك السائد آنذاك يقول بأن شرعية حضور المعارضة وتميزّها يأتى من وضوح وتكامل برامجها التى كانت فى مجملها تميل إلى أن تكون أقرب إلى برامج الحكم منها إلى برامج النضال.

وغلبت هذه النزعة بالمعارضة كرد فعل عفوى على الطابع الشمولى للسلطة فى ليبيا، وعلى سيطرت الإنقلابيين على مختلف تفاصيل الحياة، ورفضهم القاطع لوجود أى مستوى من الإعتراض على سياساتهم وبرامجهم تحت طائلة القتل أو التشريد أو الإعتقال أو الإضطهاد العضوى والنفسى. وبسبب عنف السلطة وإجرامها المنفلت لجأت المعارضة فى معظمها إلى سراديب العمل السرى حفاظاً على إمكاناتها المتواضعة فى طرح ونشر مواقفها وآرائها وبرامجها السياسية، الأمر الذى أدى إلى نموها بشكل مشوه إما خارج ليبيا أو تحت الأرض داخل أسوار الوطن.

ولما طالت مدة المواجهة بين النظام الفاشى والمعارضة المغتربة ظهرت سياسات المهادنة والمناورة و"المصالحة" والتى إستطاع من خلالها نظام القذافى المستبد تفكيك وإضعاف أى محاولات جادة، تبرز للسطح بين الحين والآخر، لتوحيد الجهود والإلتفاف حول برامج ومطالب نضالية مشتركة. وهانحن نشهد اليوم بداية ظهور خطابات تبريرية خجولة ربما يكون محركها الأساسى دوافع خدمة أجنحة معينة بالسلطة. أجنحة أصبحت متعطشة أخيراً لركوب موجة "الإصلاح" الذى تسعى جادة إلى استخدامه فى تخفيف حدة التوتر الشعبى وامتصاص سخط ونقمة الجماهير المقموعة، ومحاولة سحب البساط من تحت أقدام المعارضين الثابتين خاصة فى المجال الحقوقى وانتهاك الحريات الأساسية للإنسان فى ليبيا.

ففى كل مرة تنمو فيها شوكة المعارضة ويشتد عودها ويتعاظم تأثيرها، يتحرك جواسيس النظام وأزلامه، بشكل أو بآخر، لإختراقها وإحتوائها واصطياد بعض رموزها أو"تياراتها" المترددة، بالابتزاز والإغراءات الشخصية تارة، أو بالتهديد والوعيد تارة أخرى، فيتساقطون "كعصف مأكول" على فتات سياسى بائس يتكرم به عليهم "المرشد الثورى" و"قائد" الجماهير إلى عصر الإرهاب والعنف والفساد. فتات لا يشبع ولا يغنى من جوع! وهذا ما يبدو أنه حدث بالأسابيع القليلة الماضية. إذ أخذت تبرز همهمات موقوتة هنا وهناك عن أنباء اتصالات "سرية" تقوم بها أطراف حسبت نفسها على المعارضة مع عناصر من السلطة الاستبدادية. ثم بدأت بعض الأقلام المتلبسة بلبوس "المعارضة" وتدعّى "العقلانية" بالتبرير والتنظير لصفقة "بثمن بخس" مع عرابيى الاستبداد. صفقة لا ترتقى إلى مستوى مطالب الحد الأدنى العادلة التى ناضل واستشهد من أجلها الكثير من الشرفاء والوطنيين. فالذين ينظّرون إلى ضرورة الانصياع للأمر الواقع وتحت شعار "ليس بالإمكان أحسن مما كان" إنما يمدون طوق النجاة لنظام بات يغوص وسط أوحاله وتحت ثقل أوزاره، ويغرق بدماء الأبرياء من ضحايا إرهابه وغوغائيته على مدى 34 عاماً، ومع سبق الإصرار والترصد!

وبالرغم من إقرارنا المسبق بأنه من حق كل طرف أو فصيل أو مستقل معارض أن يتخذ المواقف التى يراها مناسبة وتخدم أهدافه ومصالحه، إلا أننا نقول عندما نتحدث عن المعارضة "الوطنية"، وهى شأن عام يهمنا كلنا ونمتلكه جميعاً، فإن أى صفقة سياسية تتم بالخفاء وعلى حساب المطالب والأهداف النضالية من أجل إعادة الحكم الدستورى الديمقراطى وبناء المجتمع التعددى الحديث هى صفقة مشبوهة. بل هى مقايضة خاسرة عواقبها وخيمة على أصحابها وعلى المصلحة العليا للوطن ويجب رفضها شكلاً وموضوعاً. فأى مجموعة بالخارج تضع يدها بيد القهر والديكتاتورية، وفى هذه الظروف بالذات، إنما تطيل فى عمر النظام الفاشى المهترئ، وتعمّق حالة من الإحباط واليأس والقنوط بالأوساط الوطنية سواء بالداخل أو بالخارج.

وفى هذه الأجواء الملبدة ساهمت الكثير من العوامل، التى ليس هنا مكان سردها، بجعل السلطة المسيطرة فى ليبيا مكرهة موضوعياً على السعى بإعادة تأهيل نفسها وبإعادة طلاء تكيفها مع المستجدات العالمية والإقليمية. ولعل النتائج التى تمخضت عن هجمات 9 سبتمبر الدموية فى نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا، واجتياح العراق وإسقاط نظام صدام حسين، وتداعيات جريمة لوكربى النكراء قد زادت الطين بلة بالنسبة للنظام الليبى المجرم، ودفعت به نحو المزيد من التنازلات والمواقف الانتهازية التى بدأت تعمّق، شيئاً فشيئاً، أزمته المستفحلة، وتجعله عرضة لمزيد من الضغوط المحلية والدولية، إذا لم يُقدم هذا النظام على تغيير وجهه وجلده وسلوكياته السابقة.

ومن زاوية أخرى، كان لهذه المتغيرات آثارها الواضحة على بنية ودور وطبيعة وبرامج قوى المعارضة بالخارج، والتى دفعت بعضها لإعتماد أساليب الحوار السياسى المفتوح، والنشاط العلنى الواضح والصريح، وحثتها على إعادة علاقاتها وفق روح من الندية والإحترام، كما شجعتها على دفع النضال نحو التشبث بالخيار الدستورى الديمقراطى التعددى، والتمسك بالدفاع عن حقوق الإنسان، ومقاضاة كل من أجرم فى حق الوطن وناسه وسمعته وثرواته. وبالمقابل أدت هذه التطورات أيضاً إلى دفع البعض نحو قراءة مغلوطة للتاريخ تهادن الديكتاتورية، وتجعلهم يقعون، وبكل سذاجة، ضحية الوعود السرية لدهاقنة الإرهاب والأجهزة الأمنية.

لقد حان الوقت لدفع مفهوم المعارضة السياسية، بعد هذا الفرز الناتج عن تغيرات الظروف الموضوعية، خطوة للأمام، واعتبار المعارضة المنشودة التى تستحق هذا الاسم، قولاً وفعلاً، هى "المعارضة الديمقراطية" التى تقف كرد سياسى طبيعى على واقع النظام الليبى الشمولى والذى مازالت البلاد تعانى من سيطرته وجبروته. وهى المعارضة التى تلتف حول برنامج عام ينشد التغيير الديمقراطى ويناضل من أجل الحكم الدستورى الذى لن يكون بدونه للإصلاح أى معنى أو طعم أو رائحة! ويجدر التأكيد هنا بأن مثل هذه المعارضة الديمقراطية لابد لها وأن تُبقى على مسافة واضحة بينها وبين كل القوى التى تتنكر لوسائل النضال السلمى، أو لمبادئ الخيار الدستورى الديمقراطى، أو الِفرق التى مازالت تحمل فى أحشائها ثقافة الإقصاء قومية كانت، أو اشتراكية، أو دينية.

إن القوى الليبية الديمقراطية رغم تشتتها هى المرشحة موضوعياً للاضطلاع بالمسئولية التاريخية. مسئولية مواجهة الاستبداد وهزيمته، ومواجهة ما يعترض درب الوطن من تحديات ومخاطر. وهى مطالبة الآن، أكثر من أى وقت مضى، بالسعى نحو تجاوز حالة التبعثر ومعالجتها بروح التسامح والمنافسة الشريفة من أجل تحقيق المصالح العليا للوطن. ولن يتم ذلك إلا بعقد مؤتمر وطنى، فى أسرع وقت ممكن، يعمل على تقريب وجهات النظر المختلفة، ويُوحّد الجهود النضالية فى برنامج مرحلى يُقوى الحضور الديمقراطى المعارض بالخارج ويدعم المطالب الشعبية العادلة فى الحرية والإنعتاق، وينشر ثقافة وطنية تلعب دورها الهام والكبير فى خلق المناخ الروحى والمفهومى المساعد على توليف اللحمة السياسية، وعلى بناء وتكريس وعى جديد وخطاب صريح يفضح انتهاكات حقوق الإنسان، ويكشف الممارسات الانتهازية والغير ديمقراطية.

من هنا أكرر ضم صوتى إلى ما طالب به كل من السادة محمد بويصير، وفرج بوالعشة، وعيسى عبد القيوم بضرورة العمل على عقد مؤتمر وطنى يؤكد حضور المعارضة الوطنية، ويتصدى للنزعات الاستسلامية المدمرة التى تسعى إلى تهميش دورها أو التقليل من شأنها، ويُدشن مرحلة جديدة فى مقاومة الاستبداد والطغيان للتخلص من القذافى وأذنابه الذين عاثوا بمقدرات الوطن كل هذه المدة الطويلة والمريرة. ولعل ما نحتاجه، بداية، هو التحرر من كوابح الماضى وكبواته، وأن نبنى وعياً جديداً، لا يأخذ الديمقراطية وسيلة نسعى من خلالها إلى تحقيق هدف ما أو اكتساب نصر سياسي عابر، بل كونها غاية بحد ذاتها، تتطلب منا أن نتعلم كيف ننصهر فى بوتقتها، فكراً وسلوكاً وعلماً.

عبد الرحيم صالح

 
جميع الحقوق محفوظة للتحالف الليبى الأمريكى من أجل الحرية. 2003-2006 ©

الموضوعات والمقالات الموقعة بأسماء أصحابها لا تعكس بالضرورة آراء التحالف الليبى من أجل الحرية