مقــــــــالات
23.04.2005

العلاقات الأمريكية-الليبية: 1969 – 2003م
وتداعيات حادثة تفجير لوكربي

بقلم: عبد الرحيم صالح

مقدمة:

من الثابت تاريخياً أن الولايات المتحدة لم تعارض انقلاب العسكر في عام 1969، الذي أتى بالقذافي ورفاقه من "الضباط الوحدويين الأحرار" للسلطة في ليبيا. ويرجع السبب إلى استمرار الحرب الباردة التي كانت تخوضها أمريكا ضد الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه آنذاك. فلقد رأت الولايات المتحدة في الانقلابيين الجدد نظاماً يقف موقفاً حازماً ضد انتشار الشيوعية، ويحظى بدعم شعبي واضح. بل وهناك من المعلقين من أشار باحتمال وجود علاقة دعم لحركة الضباط السرية من قبل وكالة المخابرات المركزية، سهّلت لهم أمر الاستيلاء على الحكم والإطاحة بالنظام الملكي الدستوري.

وبالرغم من استعجال النظام الجديد في إنهاء عقود القواعد العسكرية (البريطانية في برقة، والأمريكية في طرابلس)، وإصراره على رفع حصة ليبيا من إنتاج البترول، الذي كانت تقوم بمعظمه شركات أمريكية، إلا أن العلاقات الأمريكية-الليبية لم تتأثر سلبياً بهذه الخطوات. ولكن بدأت هذه الصورة بالتغيّر تدريجياً مع ارتفاع وتيرة الخطاب الأيديولوجي للنظام الليبي ضد المصالح الأمريكية، مما أدى إلى قيام أمريكا بسحب سفيرها في طرابلس، عام 1973، احتجاجاً على دعم الحكومة الليبية لمجموعات "ثورية" و "إرهابية". ومنذ ذلك التاريخ، وحتى الآن، والعلاقات بين البلدين في تأرجح ما بين حالة توتر وحالة تأزم.

مسار العلاقات وأهم الأحداث والمحطات:

أثرّت عدة تطورات سياسية وعسكرية واقتصادية، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تدهور العلاقات الأمريكية-الليبية. وفيما يلي عرضاً تاريخياً موجزاً لأهم الأحداث والمحطات.

أبلغت ليبيا وزارة الخارجية الأمريكية، في 11 أكتوبر 1973، عن نيتها إغلاق خليج السدرة للملاحة العالمية، واعتباره جزء من المياه الإقليمية الليبية. ولما كان هذا يتعدى الـ 24 ميلاً المعترف بها حسب القانون الدولي، رفضت واشنطن الطلب في 11 فبراير 1974، لأن امتداد خليج السدرة يتجاوز 300 ميلاً، ولأن ليبيا لا تملك مقومات إثبات سيطرتها على هذا الخليج الكبير. ولعل السبب الرئيسي وراء هذا الرفض هو الحاجة لاستخدام الخليج من قبل القوات الأمريكية المتواجدة بالبحر المتوسط.

ثم زادت حدة التوتر بين البلدين، في عام 1977، عندما وجهت أمريكا تهمة محاولة اغتيال سفيرها بالقاهرة، هيرمان إيلتز (Hermann Eiltz)، إلى عناصر ليبية. وعلى إثر ذلك قامت الولايات المتحدة، في عام 1978، بمنع بيع معدات عسكرية إلى ليبيا بحجة أنها تساند مجموعات إرهابية. كما استطاع ميلسنت فينويك (Millicent Fenwick)، ممثل ولاية نيوجرسي بمجلس النواب، أن يضيف مادة على (قانون إدارة التجارة الخارجية) مفادها أن تضع وزارة الخارجية قيوداً على حركة التجارة مع كل من ليبيا وسوريا والعراق واليمن الجنوبي، وتُخضع أي سلع أو خدمات أمريكية ترغب هذه الدول في استيرادها إلى موافقة رسمية من الكونغرس.

وفى 2 ديسمبر 1979 أحرق متظاهرون ليبيون مبنى السفارة الأمريكية في العاصمة الليبية، وأفادت مصادر صحفية بأن السلطات الليبية ربما تكون ضالعة بالعملية. كما برزت، خلال هذه الفترة، قضية التحقيق مع بيلى، شقيق الرئيس جيمي كارتر، الذي كان متعاوناً مع الليبيين، ورتب اجتماعاً بالبيت الأبيض مع القائم بالأعمال الليبي على الحضيري. وفى نهاية هذا الاجتماع كتب الرئيس جيمي كارتر بمذكراته الشخصية قوله: "لقد كانت المرة الأولى التي يأتى الليبيون فيها إلى البيت الأبيض منذ وجودي به. وكان لي معهم نقاش جيد، وشكرت القذافي على مساعدته في قضية الرهائن (في طهران)، وأخبرتهم أن الهجوم على سفارتنا (في طرابلس) ليس له ما يبرره، وهو شئ خطير بالنسبة لنا. وفى حالة إذا ما تم اعتذار رسمي، وإصلاح للسفارة، أو توفير مبنى آخر، والوعد بتوفير حماية لدبلوماسيينا، فإنه تحت هذه الشروط سوف نحاول أن نحسّن من اتصالاتنا مع ليبيا وكذلك علاقاتنا الطويلة الأمد".

إدارة ريغان وارتفاع حدة التوتر:

ولكن بوصول رونالد ريغان للحكم ازداد التوتر بالعلاقات، وتم إقفال السفارة الأمريكية تماماً في مايو 1980، فيما كان النظام الليبي مشغولاً في تصفية معارضيه بالداخل والخارج. وفى سبتمبر 1980 أطلقت طائرة مقاتلة ليبية صاروخ جو-جو لم يُصب طائرة تجسس أمريكية كانت تحلق فوق البحر المتوسط، ولم يتخذ الأسطول البحري المرافق أي عمل مضاد. وفى مارس 1981 أعلن وزير الخارجية في ذلك الوقت، ألكسندر هيغ (Alexander M. Haig Jr.)، ولأول مرة على لسان مسؤول أمريكي كبير، بأن "لديه أدلة دامغة على وجود معسكرات تدريب إرهابيين في ليبيا". ثم تبعه الرئيس ريغان، في 6 مايو 1981، بطلب إقفال وطرد البعثة الليبية الدبلوماسية، والتي كانت تعرف باسم المكتب الشعبي، وذلك بسبب اتهام موظفيها بأعمال "غير قانونية وغير دبلوماسية"، منها دعم الإرهاب، ومضايقة بعض المعارضين الليبيين المقيمين في الولايات المتحدة".

وفى 19 أغسطس 1981 أسقطت طائرات أمريكية تابعة لحاملة الطائرات نيمتز (Nimitz) مقاتلتين ليبيتين فوق خليج السدرة، وذلك، حسب الرواية الأمريكية، عندما أطلقت الطائرات الليبية صواريخ جو-جو باتجاه المقاتلات الأمريكية. وبعد هذه المواجهة العسكرية فوق مياه المتوسط، فرضت أمريكا، في 28 أكتوبر 1981، حظراً على تجارة الطائرات والمعدات الجوية وقطع غيارها حتى "تعرقل قدرة السلاح الجوى الليبي في خوض مغامرات عسكرية ضد الدول المجاورة". وفى نفس الشهر حامت شبهات على أن المخابرات الليبية كانت وراء دسّ عبوات ناسفة بمبنى أقيمت فيه سهرة ليلية شارك فيها دبلوماسيون من السفارة الأمريكية بالخرطوم في السودان.

ورغم هذا التوتر الذي وصل إلى مستوى المواجهة العسكرية بين الدولتين، استمرت الشركات الأمريكية للبترول في مواصلة نشاطاتها في ليبيا، إلا أن شركة إكسون (Exxon) قررت، وبشكل مفاجئ، في 18 نوفمبر 1981، التخلي عن عملياتها ومغادرة ليبيا. كما ألصقت بعض المصادر مقتل الملحق العسكري، بسفارة أمريكا في باريس بتاريخ 6 ديسمبر 1981، بنشاطات ليبية مشبوهة. وفى اليوم التالى، 7 ديسمبر، أعلن الرئيس رونالد ريغان عن وجود أدلة، لا تقبل الشك، تثبت تورط النظام الليبي في إرسال "فرق اغتيال" لقتل موظفين كبار بالحكومة الأمريكية، وأصدر أمراً لكل المواطنين المقيمين في ليبيا آنذاك، نحو 1500 أمريكياً، بمغادرتها فوراً "بسبب الخطر الذي يمثله النظام الليبي على سلامتهم". وبناء على ذلك أطلقت الصحافة الأمريكية على القذافى لقب "أخطر رجل في العالم!". واستجابة لأوامر الحكومة، بادرت الشركات الأمريكية للبترول بسحب موظفيها، واستبدالهم بموظفين أوربيين وأجانب.

حظر استيراد البترول والغارات الجوية:

أصدر الرئيس ريغان حظراً على استيراد البترول الليبي الخام بتاريخ 10 مارس 1982، وتم إيقاف صفقة بيع 12 طائرة بوينغ كانت ليبيا قد تعاقدت عليها بمبلغ 600 مليون دولار في شهر ديسمبر من نفس السنة. كما صرح، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، ويليام كاسي (William J. Casey)، بأنه قد بدأ القيام بعمليات ضد تدخل ليبيا العسكري في تشاد، وأنه يقوم أيضاً بالتعاون مع بعض فصائل المعارضة الليبية التي أعلنت رغبتها في التخلص من القذافى. وفى عام 1983 أرسلت الإدارة الأمريكية طائرات أواكس (ِAWACS) لكل من مصر والسودان لمراقبة ما يحدث في تشاد. وفى عام 1984 اتهمت أمريكا ليبيا بالتآمر والقيام بوضع ألغام في البحر الأحمر. وفى عام 1985 أعلن ريغان أنه قد وافق على برنامج سرى للإطاحة بالقذافي، بينما قامت وزارة الخارجية في 15 نوفمبر بمنع استيراد أي منتجات ليبية بترولية مكررة.

وفى 27 ديسمبر 1985 مات أكثر من 20 مدنياً، منهم 5 أمريكيين، وجرح نحو 110 مواطناً في الهجوم الذي حدث على مطاريّ روما وفيينا. وقد ربط مسئولون أمريكيون ليبيا بهذه الحوادث عن طريق دعمها لمجموعة أبو نضال. وطلب كل من البيت الأبيض ووزارة الخارجية من دول العالم ممارسة ضغوط اقتصادية حتى ترتدع ليبيا عن مساندة الإرهاب. وفى 7 يناير 1986، أصدر ريغان قراراً بتضييق حجم المبادلات التجارية مع ليبيا، وتجميد أرصدتها المالية المتواجدة بالبنوك الأمريكية (أكثر من مليار دولار)، ومنع السفر من وإلى ليبيا. غير أن هذه المقاطعة لم تجد أي حماس من الأوربيين الذين رفضوا التعاون مع إدارة ريغان رغم إلحاحها الشديد. وفى نفس الوقت، عُقدت مناورات قرب الشواطئ الليبية بتاريخ 23 يناير 1986، وقامت باختراق "خط الموت" الذي رسمه القذافي في خليج السدرة، مما أدى إلى حدوث مناوشات عسكرية كان حصيلتها قصف وتدمير بطاريات صواريخ من طراز سام أرض-جو داخل الأراضي الليبية، وإغراق عدة قوارب هجوم ليبية حاولت الاقتراب من سفن الأسطول السادس. ولم تعلن ليبيا عن عدد ضحايا هذه المعارك.

تسبب انفجار بملهى لابيل (LaBelle) الليلي ببرلين، في 5 أبريل 1986، بمقتل ثلاثة مواطنين، اثنين منهم جنود أمريكيون، وجرح 200 منهم 60 مواطناً أمريكياً. صرح بعدها الرئيس ريغان بأن ليبيا وراء هذا العمل الإرهابي، وأصدر أوامره بشن غارة جوية شارك فيها مائة طائرة قصفت، في 15 أبريل 1986، مدن وقواعد عسكرية مما أدى إلى موت 70 شخصاً حسب المصادر الليبية. وفى 5 مايو 1986 استطاعت أمريكا أن تقنع "السبع الكبار" بشجب الدور الليبي في دعم الأرهاب، وتطالبهم بأخذ خطوات عملية ضد النظام الليبي منها حظر تصدير الأسلحة، وتقليص عدد البعثات الدبلوماسية، وتسهيل تبادل المتهمين بقضايا إرهابية، وتطوير التنسيق والتعاون بين الأجهزة الأمنية المختلفة. كما ضغطت إدارة ريغان على الشركات البترولية المتبقية بضرورة تصفية حساباتها والخروج من ليبيا قبل نهاية شهر يونيو 1986.

حادثة تفجير لوكربي:

أشارت أصابع الاتهام أول الأمر باتجاه إيران وسوريا عندما وقع حادث انفجار رحلة با نام (Pan Am) رقم 103 فوق قرية لوكربي، الإسكتلندية، الذي راح ضحيته 270 شخصاً، بتاريخ 21 ديسمبر 1988. ثم بعد تحقيق طويل ومكلّف، أعلنت كل من بريطانيا وأمريكا وفرنسا في صحيفة اتهام مشتركة، بتاريخ 14 نوفمبر 1991، بأن المسئول عن هذه الكارثة هم عناصر بالمخابرات الليبية، وطلبت من ليبيا تسليم المشتبه فيهم للقضاء، والتعاون بإجراءات التحقيقات، ومعاقبة الجناة إحقاقاً للعدالة، وإن لم تفعل ذلك فسيكون نصيبها مقاطعة اقتصادية حتى تستجيب لهذه المطالب. قبضت أجهزة الأمن الليبية على رجلين مشتبه فيهم بتاريخ 4 ديسمبر 1991، ولكنها رفضت تسليمهما إلى بريطانيا أو إلى أمريكا. ولما بدأت ليبيا بالمماطلة، سعت الولايات المتحدة باستصدار قراراً من مجلس الأمن بالأمم المتحدة، في 13 مارس 1992، نص على حظر الرحلات الجوية من وإلى ليبيا، ومنع بيعها أي أسلحة.

ونظراً لعدم امتثال ليبيا لمطالب الأمم المتحدة، استصدر مجلس الأمن قراراً آخراً، بتاريخ 11 نوفمبر 1993، طالب فيه بحظر بيع المعدات والآلات البترولية، وتجميد كل الأرصدة الليبية بالخارج، ويطلب تسليم المتهمين للقضاء الإنجليزي. أعلنت ليبيا عن استعدادها لإرسال المتهمين إلى جهة ثالثة محايدة، ولكن قوبل هذا العرض بالرفض من قبل لندن وواشنطن. وفى تقريرها السنوي عن حقوق الإنسان، الصادر في أبريل 1995، اتهمت وزارة الخارجية الأمريكية ليبيا بالاستمرار في تمويل الإرهاب وقتل المعارضين الليبيين لنظام القذافي. وفي 22 ديسمبر من نفس العام، أصدر الكونغرس قانوناً، دفع به السناتور إدوارد كينيدي (Edward Kennedy)، يمنع الشركات من الاستثمار في قطاعي البترول الليبي والإيراني بما يزيد عن مبلغ 40 مليون دولاراً . وقد عارضت دول الاتحاد الأوروبي، بشدة، مشروع هذا القانون الذي اشتمل أيضاً علي عقوبات صارمة لكل شركة تسعي إلى تحويل أو بيع أي تكنولوجيا متقدمة إلي ليبيا. وفي عام 1996، أصدر الكونغرس قانوناً ضد الإرهاب يسمح لعائلات ضحايا لوكربي برفع قضية ضد الحكومة الليبية أمام القضاء الأمريكي. فيما أصدرت ليبيا تقريراً طويلاً بتاريخ 14 أكتوبر، من نفس السنة، يتناول الآثار المدمرة للعقوبات الدولية والتي كلفت الاقتصاد الليبي نحو 19 مليار دولار وتسببت في موت نحو 2100 من المواطنين.

وفي 8 مايو 1997 طار القذافي، مخالفاً الحظر الجوي لأول مرة في زيارة للنيجر. وفي 19 أكتوبر 1997 أرسلت الحكومة الليبية برسالة إلي أقارب وعائلات ضحايا لوكربي طالبتهم فيها بقبول تعويضات مالية، والعمل علي إنهاء المقاطعة الدولية. وفي نفس الشهر، زار الرئيس نيلسون مانديلا طرابلس، التي سافر إليها عن طريق البر احتراماً للحظر الجوي، وكان مانديلا أهم شخصية دولية تزور القذافي منذ قرار مجلس الأمن الصادر سنة 1992. هذا وقد طلبت الحكومة الليبية ، في 20 مارس 1998، من مجلس الأمن مناقشة موضوع العقوبات، والنظر إلي آثاره "الخطيرة" علي المجتمع الليبي، إلا أن ممثل الولايات المتحدة بيل ريتشاردسون (Bill Richardson) حمّل مسئولية معاناة الشعب الليبي علي مماطلة الحكومة الليبية وعدم امتثالها لقرارات الشرعية الدولية.

تسليم المتهمين في تفجير لوكربي:

صرح كل من وزيرة الخارجية الأمريكية، مادلين أولبرايت (Madeleine Albright)، ووزير الخارجية البريطاني روبن كوك (Robin Cook)، بتاريخ 24 أغسطس 1998، عن استعدادهما لقبول مشروع تسليم المتهمين الليبيين إلى هولندا لمقاضاتهما أمام القضاء الإسكتلندي. وطُرح هذا المشروع كمحاولة أخيرة لحل الأزمة، وفي حال عدم تجاوب ليبيا فإن الدولتان سوف تطالبان بفرض مقاطعة البترول الليبي. وفي 27 أغسطس، صوّت مجلس الأمن بأنه سيُعلق تطبيق العقوبات إذا ما وافق القذافي علي تسليم المشتبه فيهما ارتكاب الجريمة للمثول أمام المحكمة. قبل القذافي العرض ولكن طلب الحصول علي ضمانات من الأمم المتحدة. ثم كرر ذلك بوزيد دورده، ممثل ليبيا بالأمم المتحدة، في خطاب أمام الجمعية العامة، ألقاه بتاريخ 6 سبتمبر 1998، وقال فيه إن هذا العرض الأخير: "سمّ مدسوس بالعسل!"، وأصرّ علي الحصول علي مزيد من &a

 
جميع الحقوق محفوظة للتحالف الليبى الأمريكى من أجل الحرية. 2003-2006 ©

الموضوعات والمقالات الموقعة بأسماء أصحابها لا تعكس بالضرورة آراء التحالف الليبى من أجل الحرية