مقــــــــالات
23.04.2005
جدلية العنف والإصلاح : ليبيــا بين الاستبداد والديموقراطية
 
بقلم: عبد الرحيم صالح
 
بفضل النشاط المعارض الدؤوب، بالداخل والخارج، لسياسات وترهات النظام الحاكم وتجاوزاته التي فاقت الحد وأصبحت خطراً عظيماً يهدد المصالح العليا للوطن، أضحي الحديث عن الإصلاح وضروراته واحداً من القضايا المحورية التي تهيمن علي الساحة الليبية علي المستويين الشعبي والرسمي، لاسيما بعد أن فشلت النخبة الحاكمة فشلاً ذريعاً في تحقيق التنمية وبناء ليبيا الدستورية الديموقراطية الحديثة، مما يجعلها تقف اليوم أمام مفترق طرق لن تستطيع اجتيازه بنجاح إلا عبر المزيد من الخطوات الفعلية الجادة، بل والحاسمة في اتجاه رفع الحظر السياسي والاقتصادي والثقافي عن الشعب الليبي وتوفير متطلبات التحول الإصلاحي الديموقراطي السلمي دون أي مماطلة أو تسويف.

جدلية العنف والإصلاح : ليبيــا بين الاستبداد والديموقراطية
بقلم: عبد الرحيم صالح
بفضل النشاط المعارض الدؤوب، بالداخل والخارج، لسياسات وترهات النظام الحاكم وتجاوزاته التي فاقت الحد وأصبحت خطراً عظيماً يهدد المصالح العليا للوطن، أضحي الحديث عن الإصلاح وضروراته واحداً من القضايا المحورية التي تهيمن علي الساحة الليبية علي المستويين الشعبي والرسمي، لاسيما بعد أن فشلت النخبة الحاكمة فشلاً ذريعاً في تحقيق التنمية وبناء ليبيا الدستورية الديموقراطية الحديثة، مما يجعلها تقف اليوم أمام مفترق طرق لن تستطيع اجتيازه بنجاح إلا عبر المزيد من الخطوات الفعلية الجادة، بل والحاسمة في اتجاه رفع الحظر السياسي والاقتصادي والثقافي عن الشعب الليبي وتوفير متطلبات التحول الإصلاحي الديموقراطي السلمي دون أي مماطلة أو تسويف.
عنف السلطة المنفلت:
فمنذ أن استولى العسكر على سدّة الحكم، وليبيا تعانى من ظاهرة انتشار وتفاقم العنف السياسي وانعكاساتها السلبية على مسيرة المجتمع نحو التنمية والازدهار والاستقرار. حتى أصبح تاريخنا المعاصر ملوناً بدماء العنف، وغدت المواجهة العنيفة (عضوياً ومعنوياً) الممارسة الأكثر شيوعاً واستخداماً سواء من جانب السلطة الحاكمة أو المجتمع أو من قبل بعض الأطراف المعارضة، بل وكاد أن يصبح كل العمل السياسي والثقافي الليبي ملغوماً بلهجة العنف الحاد، وأساليب الإقصاء، والإرهاب الفكري.
وفى واقع الأمر ليس هناك ظاهرة أخطر من ظاهرة العنف السياسي، التي تبنتها النخبة الحاكمة لأكثر من ثلاثة عقود، وآثارها الاجتماعية المدمرة التي هددت حياة المواطنين الأبرياء، وأربكت المجتمع، وشّلت الدولة، ناهيك عن سلسلة المآسي والكوارث التي تبدأ بالخسائر البشرية والمادية، والفوضى الاجتماعية، والخراب الاقتصادي، ولا تنتهي بنسف الأمن الاجتماعي، وتفاقم الفساد، وضياع فرص التنمية فقط، بل وتهدد الاستقرار الوطني وربما تقود إلي حرب أهلية!
وهكذا حشدت هذه السلطة الاستبدادية، غير الشرعية، كافة إمكانياتها وسخّرت أجهزتها وقوانينها الجائرة لخنق الرأي الآخر أو إضعافه لدرجة أنه بات غير مسموعاً. فطوال هذه الفترة القاتمة تجمعت وقائع ذلك العنف وتكثّفت وتواترت في إيقاع من التعاقب المنتظم لتلقي بحممها الحارقة علي مجتمعنا وتكاد تلغي فيه الحقلين السياسي والمدني تماماً! وفي مثل هذه الأجواء التي تسيطر فيها الغوغاء (تارة باسم الثورة والعنف الثوري، وتارة باسم الوحدة والاشتراكية، وأخرى تحت عنوان التحول الاقتصادي والتنمية)، وتوصد فيها أبواب الأمل، وينهار فيها مستوي المعيشة، وتغيّب فيها إمكانية التغيير السلمي، ويتم فيها إخضاع الغالبية العظمي من الشعب للعنف المباشر والقهر الفاحش، يتوالد العنف المضاد، وتكتمل دورة العنف السياسي لتسيطر علي الحياة العامة، وتأتي النتائج الوخيمة علي أكثر من صعيد: عشرات الآلاف من الضحايا والُأسر المكلومة والمفجوعة، وانتهاكات صارخة لآدمية الإنسان وكرامته وحقوقه الأساسية، ولاجئين يملئون بقاع الأرض، ونظام مجرم مذعور تزداد تبعيته للغير لضمان بقاؤه واستمراره بأي ثمن وبأي وسيلة.
العنف والعنف المضاد:
ورغم التوظيف الانتهازي السافر لشعارات حظيت بقبول شعبي في بداية الانقلاب، إلا أن غالبية الشعب الليبي الآن تعاني مرغمة خليطاً إيديولوجياً بائساً وممارسة فوقية استفرادية طاغية لا ترغب في خلق شرعية دستورية أو تشييد دولة القانون والديموقراطية، بل ما تزال "الجماهيرية" تحكم حكمًا يشبه نظام حكم الطوارئ القائم تحت قوانين استثنائية. الأمر الذي أدي إلي إخفاق كبير في مشروعات التنمية والتحديث، وتعميق وترسيخ الاستبداد، وتضخيم سلطوية الدولة التي ابتلعت كل شئ، ولم تعد تري نفسها ملزمة بالانصياع لقانون، أو الالتزام بدستور أو النزول عند رأي الغالبية العظمي من أفراد المجتمع. بل إن هذه الحكومة الانقلابية الشاذة من النوع الذي لا يقيم وزناً للشعب، وتعتقد بتخلّفه، وهى مخولة بإعادة تشكيل بناه الاجتماعية والثقافية علي هوى ومزاج من نصّب نفسه قائداً مدى الحياة، يهيمن علي توجيهه كيف يشاء دون أدنى إحساس بالمسئولية بل ويقوم بالتهرب الجبان منها! فجاءت مهمة "التثويرالانقلابي" ،علي الطريقة القذافية البديعة والفريدة من نوعها، بمزيد من المعاداة للديموقراطية وبمزيد من الاستخدام الواسع للعنف والإرهاب.
لقد انعكست نتائج هذا الوضع المأساوي علي موقف المجتمع من الدولة، والمواطن من السلطة. فالدولة أو السلطة باتت تعبر عن نفسها في شكل أجهزة أمنية قمعية إكراهية لا تستمد مشروعيتها من مصدر دستوري أو قانوني يحظي بموافقة ودعم الغالبية العظمي من الليبيين، ولكن استندت إلي واقع التعسف والإكراه والإرغام والقوة وحيازة أدواتها. ويصبح بذلك المواطن الليبي في هذا النمط الجائر من الحكم مواطناً بالاسم فقط، لا سلطة له علي ذاته ومقهوراً عن المشاركة الفعالة بمسيرة مجتمعه. وشيئاً فشيئاً يصبح المنفذ الوحيد والسبيل الممكن، أمام هذا المواطن الذي فقد كل شئ، هو العنف المضاد بأشكاله المختلفة في مواجهة السلطة الغاشمة التي لم تأت باختياره الحرّ أو بيعته أو تفويضه المباشر. ومن هنا فإن جرثومة العنف نشأت وكبرت في أحضان الدولة الانقلابية التسلطية، وهيأت بذلك الظروف الموائمة لنمو وازدهار العنف المضاد.
ولا تقف تبعات الاضطهاد عند هذا الحد، بل إنها تستمر في شكل مفارقة غريبة حقاً. فالمستبد يقمع شعبه ويدوس عليه ممرغاً إياه بالوحل، وبعد أن يحقق سلطانه وجبروته عليه يكتشف أنه قد هوى بالحضيض معه، وأنه قد بات أضحوكة القاصي والداني، فهو كمن جار وتجبّر وأرغي وأزبد مطلقاً علي نفسه النار! فالسلوك الاستبدادي لا يتضمن معني الإرغام والقهر من جانب الفاعل الطاغية، والخضوع (أو المقاومة) من جانب الشعب المفعول به فقط، ولكنه في آخر المشوار يؤدي إلي إهلاك المجتمع وسقوط المستبد ولكن علي أنقاض الأمة بكاملها! إن الدولة الليبية "الجماهيرية" بشكلها الحالي هي المٌحفّز الرئيسي للعنف وذلك لنزوعها الهمجي الدائم إلي استخدام القوة العارية والبطش الصارخ والقمع المنفلت والتعذيب والسجون.
الديموقراطية بدل العنف:
حين يكون حديثنا منصّباً علي إشكالية الإصلاح الحكومي فالعنف والديموقراطية صنوان لا يمتزجان. فلقد جاء الفكر الديموقراطي ليرمي بجميع أشكال الاحتكار والوصاية الدينية والدنيوية بمزبلة التاريخ، ويقضي تماماً علي النزوع إلي التعبير عن السياسة والمصالح بالعنف المادي أو المعنوي، ويبدأ مسيرته الطويلة الشاقة بإرساء معالم مشروع حضاري يشدد علي مبدأ فكرة التعاقد الاجتماعي، وسيادة القانون، والعدل، والمساواة، والحرية، وتوازن المصالح والغايات والمقاصد.
من المهمّ، قبل أن نذهب بعيداً، تعريف المصطلحات بشيء من الإيجاز. فعندما نتحدث عن الديموقراطية فأننا لا نتحدث عن أشكالها أو مؤسساتها أو انتخاباتها وحسب، بل الديموقراطية تقوم في الأساس علي توزيع السلطة - في الحكومة وفي المجتمع. ففي الحكومات الديموقراطية المتعددة، تتوزع السلطة بحيث لا يسيطر صوت واحد غير خاضع للمساءلة. إذ تتطلب الحكومات بالأنظمة الديموقراطية وجود ضوابط وتوازنات، مثلاً، عن طريق الفصل وتقنين التنافس بين فروع الحكم التشريعية والتنفيذية، وكذلك عن طريق القضاء المستقل الذي يكفل حماية الحريات العامة وفي مقدمتها حريات التعبير والعبادة والتفكير والتنظيم والتملك والتنقل...الخ والحكومة الديموقراطية عليها أن تفسح المجال وتتعامل ندّياً مع المعارضة المنتخبة. وبذلك فقط تصبح السلطة والسيادة حقاً نابعة "من الشعب، بالشعب، وللشعب".
وكما توجد حاجة إلى بعض الضوابط والتوازنات داخل الحكومة، هناك أيضاً حاجة إلى ضوابط وتوازنات بين الحكومة والمجتمع. وهذه الأخيرة أهم بالنسبة للديمقراطية منها للحكومات. فالسلطة يجب أن يشارك فيها مجتمع مدني حيوي وتعددي، مجتمع يمتلك "الحياة المجموعاتية" التي كتب عنها الكاتب الفرنسي دي توكفيل قبل 170 سنة، أي تشكيلة واسعة من المجموعات والمؤسسات الخاصة. وتضم هذه المؤسسات الأحزاب السياسية، والنقابات العمالية، وجمعيات رجال الأعمال، والمؤسسات الدينية، والمدارس، ووسائل الإعلام، المستقلة عن بعضها البعض، وعن سيطرة الدولة. يُزاد على ذلك، أنه لا يجوز استبعاد أي مجموعة أثنيه، أو جنس، أو طبقة من الشعب عن المشاركة الكاملة في الحياة السياسية، كما يجب حماية كافة الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمواطنين والمساواة بينهم.
إن الهوة بين الديموقراطية و بين ما هو حاصل الآن في ليبيا شاسعة بشكل مفزع! ولأن المجال هنا لا يسمح بالاستفاضة، سأكتفي بعرض النقاط السريعة التالية:
أولاً، لا يجب أن ينظر للديموقراطية علي أنها وصفة جاهزة مستوردة متجانسة أو فلتة سحرية، تصلح لكل زمان ومكان، بل هناك نماذج متعددة للديموقراطية. وليس على العملية الديموقراطية إتباع نموذجاً واحداً، إذ لا يوجد نموذج ديموقراطي واحد لتقليده. فبدءاً من الملكيات الدستورية ومروراً بالجمهوريات الفيدرالية إلى الأنظمة البرلمانية من كل الألوان، يظهر التاريخ تنوع الديموقراطية. فهناك فوارق هائلة بين المجتمعات البشرية علي مر العصور ويجب تكييف الأنظمة السياسية لكي تتلاءم مع بيئتها المحلية بشكل ديموقراطي يحوز علي رضاء الأغلبية، ويحقق الممارسة الفعلية لمفهوم المواطنة واعتبار أن هذه "الشراكة في الوطن" هي فوق كل الروابط الأخرى كرباط الدين أو المذهب أو اللغة أوالعرق...وهذه "الشراكة=المواطنة" هي مصدر جميع حقوق المواطن وواجباته في المجتمع.
ثانيا، الانتخابات وحدها لا تصنع الديموقراطية. فكما رأينا في انتخابات بطول النظام السياسي العربي وعرضه، حيث ينال الزعماء الصناديد ما يقارب المائة بالمائة من الأصوات! إذ غالباً ما تحاول الأنظمة الأكثر وحشية وديكتاتورية التهافت بإضفاء صفة الشرعية على حكمها من خلال انتخابات صورية. من هنا، وجب على الانتخابات لكي تعبر بصدق عن رغبات الشعب، أن تكون مندمجة مع مجتمعات توجد فيها مؤسسات مدنية قوية وناضجة وتوزيع للسلطة. علي سبيل المثال، تجربة البحرين الأخيرة تقترب من هذه النقطة: فقد جرت الانتخابات هناك بعد أن اتخذت خطوات لإطلاق سراح السجناء السياسيين، وألغيت السلطات الاعتباطية من الدستور، وتم إصلاح القضاء والسماح لوسائل الإعلام بالعمل بصورة مستقلة. وبالمقابل، ألقت تجربة الجزائر المؤلمة الضوء على خطورة إجراء الانتخابات في غياب مجتمع مدني تعدّدي، وفي ظل وجود العسكر الذين لم يذعنوا للعملية الديموقراطية وأثبتوا أنهم لن يتخلوا سلمياً عن احتكار السلطة.
ثالثاً، الديموقراطية تعتمد على شعب مطّلع ومتعلم. التعليم يمكّن الشعب من التعرف على حقوقه وإلى كيفية ممارستها. فالشعوب المتعلمة القادرة على اتخاذ قرارات تستند إلى معلومات متوفرة بشكل شفاف ومفتوح تساعد الديموقراطية على التجذّر. لقد كاد أن يحقق المواطن الليبي بعض التقدم في إتقان القراءة والكتابة، لكن الحكومة الفاشية قامت بجهود أقل في إيجاد شعب واسع الاطلاع والقراءة. بل ونكاد نجزم أن هذه الحكومة المتخلفة تبذل قصارى جهدها تمادياً في تجهيل الأجيال! ويلاحظ المعلقون المتخصصون أن الأنظمة التعليمية الليبية لا تُعِدّ الطلاب للنجاح في القرن الواحد والعشرين. إذ أن قسماً هاماً من خطابها التعليمي مؤدلج بدرجة كبيرة، ومنقطع عن العلوم الحديثة، وقائم على نظرة ذات بعد أحادي، مما يخلق عقلية مقفلة ومنحى سهلاً باتجاه التعصّب. فهي تفرض قسراً مفاهيم خاطئة تتعلق بالديموقراطية والمجتمع المدني وحرية الإعلام والدين والعلم والسياسة والتاريخ... وتسيطر عليها أساليب الحفظ غيباً والتكرارية. التعليم يعني أكثر بكثير من مجردّ الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة أو المؤسسة التربوية. فالديمقراطيات المزدهرة تتطلب إتقان تقاليد المساءلة والنقد الموضوعي وليس الحفظ عن ظهر قلب للحصول علي شهادة بدون قيمة أو فائدة.
رابعاً، الوسائل الإعلامية المستقلة والشفافة ضرورية. للوسائل الإعلامية دور حسّاس تلعبه كعنصر أساسي في المجتمع المدني. تكون هذه الوسائل، في الديموقراطيات، حرة ولا تسيطر عليها الدولة. وهذا يسمح بظهور آراء وأفكار ووجهات نظر متعددة يجري نشرها في ساحة سوق الأفكار. إن أفضل حماية ضد الأفكار التي تنشرها وسائل الإعلام ولا يوافق عليها بعض الناس هو نشر أكبر عدد من وجهات النظر بحرية، بدلاً من مراقبة أو إسكات الأصوات الإعلامية. ويجب أن تضطلع وسائل الإعلام المستقلة، في الوقت نفسه، بمسؤولياتها الكبيرة بكل جدارة مثلها في ذلك مثل ما على الحكومات والمواطنين من مسؤوليات. فعليها دعم وتقوية المعايير المهنية، والتشديد على تقارير تكون موثقة ومستندة إلى حقائق صادقة الحدوث. وعليها التثقيف العام وليس فقط الدعوة للقضايا المختلفة والتعبئة حولها بشكل عاطفي انفعالي.
خامساً، النساء عنصر حيوي في الديموقراطية. لا يمكن أن تنجح البلدان إذا حُرم نصف سكانها من الحقوق الديموقراطية الأساسية. فالحقوق التي تتمتع بها النساء هي عامل حاسم أساسي في الحياة النابضة لأي مجتمع. فالمجتمعات التي يحكمها الرجال وتلعب فيها النساء دوراً تابعاً لهم، هي أيضاً عادة ما تكون مجتمعات يلعب فيها الرجال دوراً تابعاً لدور رجال مستبدين، حيث يُهمل مبدأ الجدارة ويحل محله العلاقات الشخصية والمح
 
 
جميع الحقوق محفوظة للتحالف الليبى الأمريكى من أجل الحرية. 2003-2006 ©

الموضوعات والمقالات الموقعة بأسماء أصحابها لا تعكس بالضرورة آراء التحالف الليبى من أجل الحرية