دعوة للحوار أم دعوة للمصالحة؟
أثار مقالنا بعنوان: "جدلية العنف والإصلاح: ليبيا بين
الاستبداد والديموقراطية" بعض الردود المنشورة على
الإنترنت، كما استلمت الكثير من الرسائل الإلكترونية التى
تفاوتت ما بين من يوافقنى الرأى وبين من يختلف معى بالطرح.
ولما كان من المستحيل إرضاء الجميع، ولمزيد من التوضيح،
أود هنا أن أعرض بعض الملاحظات الموجزة، حتى يتمكن القراء
من الإحاطة قدر الإمكان بوجهة نظرنا، وذلك لما قام به
البعض من خلط متعمّد، خاصة هؤلاء الذين اختزلوا ما جاء
بمقالتنا
اختزالاً تعسفياً ظاهراً، ما بين رأينا تجاه تبنى
واستخدام أسلوب القوة من ِقبل المعارضة بالخارج، وما يترتب
عن هذا الاستخدام من تبعات فى جانب، وحق الليبيين بالداخل
فى توظيف أى وسيلة من وسائل النضال المشروعة ضد الطغيان
والاستبداد فى جانب آخر.
1- إننى اعتبر نفسى من المقتنعين بأن المعارضة بالخارج
هى عامل مساعد وليست البديل عن المعارضة ومقارعة النظام
بالداخل، وأن المنهج السليم للنضال هو العمل العلنى السلمى
المفتوح. إذ أننى من أنصار تبنى أسلوب "اللاعنف" منذ مدة
طويلة، وهو موقف لم يكن وليد هذه الأيام فقط. فهذا الأسلوب،
فى رأيى المتواضع، هو أسلوب حضارى أثبت نجاحه الكبير
بالعديد من التجارب الإنسانية مثل الهند وجنوب أفريقيا
وبولنده وغيرها. بل وأكاد أجزم بأن مواجهة النظام من خلال
المؤسسات القانونية والحقوقية الدولية، واستثمار المتغيرات
العالمية للضغط عليه بشكل جماعى مستمر، وتحريض الشعب على
البدء فى خوض مرحلة الصراع السلمى والعصيان المدنى، هو
أقصى ما يمكن أن تقوم به النخبة المعارضة بالخارج، حتى
يقدم تنازلات ملموسة تلبى المطالب السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والثقافية التى تريدها الغالبية الساحقة من
أهلنا داخل أسوار الوطن. ولا يجب أن تتوقف الجهود حتى
يُقفل ملف الاستبداد والاستفراد بالسلطة، وتتم مقاضاة كل
من أجرم فى حق شعبنا وتقديمهم للعدالة، وحتى يتم الشروع
الفعلى فى بناء أسس نظام دستورى تعددى، وهذه الأهداف لن
تتحقق إلا بتنحى القذافى عن الحكم أو بإزاحته عنه!
2- أشار العديد من المتابعين للأوضاع الوطنية بأن
الخيار العسكرى، وشعار إسقاط النظام بالقوة من الخارج، قد
أوقع المعارضة فى مشاكل لا حصر لها، لعل أهمها وأشدها خطراً
هى إشكالية التعامل مع دول وأجهزة أمنية أجنبية. ولما لم
تحظ هذه السياسة بالقبول سواء بالداخل أو بالخارج، فإنها
قد يسرت للنظام أمر التصدى لهذا الخيار والتعبئة ضده، مما
أفقد أطروحات المعارضة وبرامجها الإلتفاف الشعبى الضرورى
والمطلوب لنجاحها وانتصارها من جهة، وأدى إلى خضوع القرار
الوطنى لحسابات وأطماع أنظمة قمعية وقوى خارجية، وأحاط
استقلاليته بتأثيرات سلبية لايستهان بها من جهة أخرى.
3- كما فرض هذا المنهج فى استخدام العنف الارتهان للعمل
السرى المبالغ فيه، وصبغ المعارضة الخارجية بصبغة مؤامرتية
صرفة، أضعفت دورة الحوار البنّاء بين صفوفها، وعمّقت
تشرذمها وتشتتها، وفتحت الطريق واسعاً لظهور عناصر
انتهازية سمسرت بالقضية الوطنية، واستخدمت هذه الظروف
الملبّدة لتحقيق مآربها الشخصية لحساب أهداف النضال من أجل
إحلال بديل دستورى ديموقراطى وفقاً لإرادة الشعب الليبى
الحرة.
4- ومما يذكر أن هذا الخيار قد برز كرد فعل لعنف وقهر
النظام، وسيطرت عليه الاستجابات العاطفية التى بالغت
بالإمكانيات المتاحة، وأظهرت المعارضة بالخارج وكأنها
تصارع النظام وتخاصمه من أجل أن تحل محله. ولنا أن نتخيل
رد فعل المواطن العادى ومدى قبوله بهذه المعادلة، فبالليبى
الفصيح: من فرّ بفروة رأسه من ظلم واضطهاد النظام، لسنين
طويلة، من الصعب أن يُقبل لكى يكون بديلاً عنه! أضف إلى
ذلك أن هذا النهج، وبعد تراكم الزمن، بدا منهجاً عاجزاً عن
تحقيق الهدف الذى قام أساساً من أجله، وبذلك عمّق حالة
اليأس والقنوط والقطيعة والانشقاق التى ضربت اطنابها بطول
الساحة الخارجية وترددت أصدائها المريرة بالساحة الداخلية.
5- أرى بأن هناك فرقاً شاسعاً ما بين مفهوم الإصلاح
ومفهوم المصالحة. فالأول شعار سياسى وموقف مبدأى يدفع
سلمياً نحو محاصرة قوى البطش والاستبداد والفاشية، ويدعم
بشكل مرن القوى السياسية الوطنية بالداخل، ويرفع من سقف
مطالبها، ويشد أزرها، ويكون لسان حالها، حتى تتمكن من
الحصول على أكبر قدر ممكن من التنازلات والتحولات
الديموقراطية التى تخدم مصالح وطموحات غالبية أفراد الشعب،
وتجنّب المجتمع ويلات عدم الاستقرار الناتجة عن تصفية
الحسابات بإتباع وسائل القهر والعنف.
وأما المصالحة، فهى صفقة سياسية رديئة غالباً ما تقودها
المصالح الذاتية، ويحبذها النظام الفاشى، لأنها وسيلته
المفضلة فى شق الصفوف واصطياد المعارضين من ضعاف الإرادة،
واحداً تلو الآخر، وابتزازهم على انفراد ومكافئة الذين
يؤدون، على خير وجه، أدوارهم الجديدة المناطة بهم. وبذلك
فالمصالحة، بهذا الشكل، تحافظ على الوضع القائم، وضارة
بالنضال، ولا تخدم المصلحة العليا للوطن، وتطيل فى عمر هذا
النظام القمعى البشع.
6- وقد نوه البعض بأن هذا الخيار العسكرى بالخارج رُفع
بوقت كادت أن تكون فيه لفظة "ديموقراطية" رجس من عمل
الشيطان! فلو كانت هذه الفصائل تؤمن وتناضل من أجل إرساء
النهج الديموقراطي لما تبنّت مثل هذه الوسائل التى تتناقض
قلباً وقالباً مع الديموقراطية والتعددية والتداول السلمى
للسلطة وهدف إعادة الحياة الدستورية التى تنبذ أى ممارسات
للعنف والإقصاء والوصاية. إن أساليب "شخصنة" النضال الوطنى،
والابتذال المفرط فى تبادل السباب والشتائم، والتحالفات
السرية والعلنية المشبوهة، والتهرب من المسئولية، هى
ممارسات رفضها الشارع الليبى، ومن يتمادى فى استخدامها
إنما هو كمن ينفخ الحياة فى جسم النظام القبلى المهترئ.
7- لعله من المفيد النظر إلى العلاقة بين النظام
والمعارضة والشعب على أنها علاقة ديناميكية متغيرة
باستمرار. فهى ليست معادلة ثابتة من أنصار الخير فى ركن،
وأنصار الشر فى الركن الآخر! هذا الفكر الازدواجي المطلق
هو فكر مثالى غير علمى لايمتّ للواقع البشرى بِصلة. فسيكون
هناك دائماً عناصر محسوبة على المعارضة تعود راغبة إلى
حظيرة النظام، وعناصر من النظام ستلتحق بصفوف المعارضة،
وسيكون هناك عناصر "مصلحجية" انتهازية من الطرفين. وهذا
المنطق الثنائى الساذج هو المنطق الذى يقود أصحابه إلى
القول بأن منهج إسقاط النظام بالقوة ومن الخارج هو المنهج
الصحيح وما عداه خطأ! إذ لا يجب استبعاد أى وسيلة من وسائل
النضال الأخرى، وما يحدد ذلك هو الظروف والمتغيرات وتاكتيك
واستراتيجية وسلوكيات من يحبذ توظيف هذا أو ذاك من المناهج
والسبل النضالية المتاحة.
8- لقد خلق هذا الغلو بالطرح، والمبالغة بالعمل السرى،
كيانات مغلقة يُغلفها الشك وتسود فيما بينها الريبة "وقراءة
النقص الدائمة"، كيانات تتمترس وراء خطاب سياسى متشنج لا
يختلف كثيراً من حيث الأسلوب عن خطاب النظام الفاشى، ولا
تبدى أى اهتمام لممارسة النقد والنقد الذاتى، ومراجعة
الأخطاء حتى لا يتكرر حدوثها، وتتهرب من الحوار المفتوح،
بل هى عاجزة عن الدفع بآليات حوار وطنى ديموقراطى فعّال،
أو بناء مؤسسات شعبية ديموقراطية قادرة على صياغة برامج
ووسائل عمل تلتف حولها الأغلبية المعارضة بالخارج والداخل،
وتمثل إرادتها الجماعية، وتكون حجر عثرة فى وجه اختراقات
النظام واغراءاته المتكررة، وتصبح الصوت القوى الممثل
لمعاناة وطموحات الشعب بالمحافل الدولية والقومية وغيرها.
9- إن النضال السياسى هو عمل جماعى بالدرجة الأولى،
وشأن عام يملكه كل الليبيين والليبيات، ولا يصح مطلقاً
احتكاره من أىّ كان، وتحت أى شعار أو مبرر مهما كان. بل إن
اتهام من نادى بعقد اجتماعات لتناول الوضع الوطنى بشكل
مفتوح وشفاف، ودعا لممارسة النقد والنقد الذاتى، والتفكير
بشكل "مجموعاتى" فى آليات النضال وأشكاله وأساليبه، بتهم
باطلة تقول بالعمالة للنظام مرة، أو تلصق به أسطورة عقد
صفقة مصالحة وهمية مرة أخرى، هو أسلوب رديء ومتخلف لا يخدم
فى النهاية إلا أعداء الوطن والديموقراطية والتقدم. ومن
الأفضل الحكم على المبادرات الوطنية الجادة بشكل موضوعى
يستند على الحقائق، بدل هذا القفز العاطفى السطحى، وتوزيع
التهم والإشاعات والطعن من الخلف ونشر حملات التشكيك
بالنوايا. فالمحك الرئيسى فى تقييم المواقف ونقدها هو ما
يفعله ويقوله المرء، لا ما يتصوره كل مرتاب وشاكّ بحسن أو
سوء نية ومع سبق الإصرار والترصد!
10- العمل الجماعى العلنى الشفاف هو أحد العلاجات
الناجعة لمثل هذه التجاوزات والسلبيات، وأحد السبل الكفيلة
بتعميق وتقوية النضال الوطنى، وتقريب يوم الخلاص من هذا
النظام المجرم المرفوض من قِبل الغالبية العظمى من
الليبيين بالداخل والخارج. وهو الطريق الواسع إلى ممارسة
الديموقراطية الحقيقية وتطبيقها، الأمر الذى سيسّهل كشف كل
الانتهازيين الذين يجيدون التلاعب تحت مظلة العمل السرى،
أو الاختفاء وراء شعارات نبيلة يطمح إليها المخلصين من
أبناء وبنات شعبنا، ويسمح أيضاً بتعرية الذين نصّبوا
أنفسهم أولياءً للعمل الوطنى، واتخذوا من الأسماء المزيفة
غطاءً لبثّ سمومهم والمغالاة بالمواقف المتطرفة باسم
القضية أو باسم الدين أو باسم النضال الوطنى.
عبد الرحيم صالح