مقــــــــالات

 

بداية النهاية: بطاقة بمناسبة العام الجديد

بقلم: عبد الرحيم صالح*

إن هذا التراجع الأخير غير المشروط من قبل نظام القذافى العسكرى الفاشى يدل دلالة قاطعة على ضعفه، وتخاذله، وفقدانه التوازن الذى من المفترض أن يؤدى إلى زيادة اتساع المواجهة بينه وبين غالبية الشعب المقموعة بالداخل من أجل إنهاء الاستبداد والطغيان، والعمل على بناء دولة دستورية ديمقراطية يختار فيها الليبيين من يحكمهم فى انتخابات حرة شفافة، وتضطلع بمقاضاة كل من أجرم فى حق ليبيا، وهدد سيادتها، ولوث سمعتها، وأهدر ثرواتها.

وإذا كان القذافى قد بدأ، وبدون خجل، تقديم التنازل تلو الآخر للضغوط الخارجية من قبل حكومات وأجهزة أمنية يخشى أن تطارده، ويبدى لها استعداده لرهن ليبيا ومستقبلها وسمعتها ثمناً لما قام به من سلوك دموى متهور، وغباء سياسى فاحش طيلة ما يزيد عن ثلاثة عقود ونيف، فإن الواجب الوطنى يحتم على المناضلين الديمقراطيين أن يضاعفوا من عملهم الجاد المستمر حتى تنتصر قوى الخير وتعود الحياة الدستورية، ويتم تدشين نظام دستورى ديمقراطى تعددى جديد يقوم على مبادئ فصل السلطات، واستقلالية القضاء، وإطلاق الحريات العامة، ويستند على التطبيق الفعلى لمفهوم المواطنة القائم على احترام الاختلاف الفكرى والإثنى والدينى والعقائدى.

لقد بالغ النظام الحاكم فى كذبه ودجله وتمويهه لعقود طويلة، فنفى واستكّبر، وطغى وتجبّر، وأسرف وتبطّر. ولكن الآن بانت الحقيقة العارية تفضح انتهازيته الفجة، وجبنه منقطع النظير. وبقدر ما تكبر مساحة الكذب والتمويه الذى يبثه النظام، بقدر ما يكشف ذلك عن تفاقم هلعه الكبير من الليبيين بالداخل. فالغرب، منذ الإستقلال الذى عمّده أجدادنا بدمائهم الطاهرة، لم يهدد، ولن يهدد أمن وسلامة وسيادة ليبيا وشعبها المسالم. وليس من شيمة الليبيين الغدر وإهدار حياة الأبرياء العزّل كما فعل سفاح سرت وعصابته الغوغائية مراراً وتكراراً. ولكن حينما يتم تحويل الوطن إلى معقل حماية وتدريب لكل من هبّ ودبّ من مجرمين وقتلة وقطاع الطرق بالعالم، وعندما يقوم هذا النظام الأهوج بممارسة العنف وسياسات سفك دماء الأبرياء و"تصفيتهم" من ليبيين وغير ليبيين، ويتلذذ بحفلات الشنق الجماعى، ويعدم بلا محاكمة، ويتمادى فى توقيف المواطنين واحتجازهم بشكل اعتباطي، ويستخدم التعذيب العضوى والنفسى على نطاق واسع، ويسرق الممتلكات إيغالاً فى الإذلال والإفقار، بل ويدنس الملكية الخاصة، ويحول مستقبل شبابنا إلى مداخن للخوف وللتبغ الرخيص، ويضع القيود على حرية التعبير، والاجتماع، والصحافة، والكلام والتنقل…إلى آخر قائمة الانتهاكات المذلة الصارخة، فهذا هو السلوك المهدد لأمن وسيادة واستقرار وازدهار وطننا وأهلنا وأحبتنا بالداخل.

وعندما تسيطر "مافيا" مجرمة فاسدة حتى النخاع على مقاليد الأمور وتحشد كافة إمكانياتها وتسخر أجهزتها وقوانينها الاعتباطية الجائرة لخنق الرأى الآخر، وإلغاء مفهوم المواطنة والمجتمع المدنى تماماً عن الواقع الاجتماعى والسياسى والثقافى، الأمر الذى أدى إلى إرباك المجتمع، وشلّ الدولة، ناهيك عن سلسلة الكوارث التى تبدأ بالخسائر البشرية والمادية، والفوضى الاجتماعية، والخراب الاقتصادى، ولا تنتهى بنسف الأمن الاجتماعى، وتفاقم الفساد، وضياع فرص التنمية فقط، بل وتهدد بالمحصلة النهائية استقرار المجتمع والسيادة الوطنية. وكل هذا تم ويتم تحت شعارات طنانة وممارسات "ستالينية" منقرضة تجاوزها جميع العقلاء من البشر ورموا بها إلى مزبلة التاريخ.

فكيف السبيل ياترى للخروج من هذا النفق المظلم الذى يبدو وكأن الضوء بنهايته قطار داهماً سيسحقنا جميعاً، نحن ومن أوصلنا، إلى هذا الدرك الأسفل من المعاناة البائسة بكل المعايير والمقاييس وعلى كافة المستويات؟ وكيف لنا أن نعمل سوياً من أجل ركل الذين سرقوا حريتنا تحت جنح الظلام ونصبوا أنفسهم قادة فوق ظهور الدبابات، والطائرات، والغواصات، والبوارج الحربية، وبقية ركام الأسلحة الروسية الصدئة التى لم تسدد فواتيرها بعد؟ إن هؤلاء اللصوص الأشرار قد فقدوا توازنهم قرب حافة الهاوية ولا يحتاجون منا سوى "نصف ركلة" ترسلهم بسلام إلى غياهب الأعماق السحيقة وحسنت مستقراً لهم بعد كل هذه الآلام والمآسى والإضراب المزمن عن التفكير السديد!

ليس ثمة أجوبة معلبة جاهزة لمثل هذه التساؤلات المشروعة، وغيرها من علامات الاستفهام الصامتة صمت أهل الكهف، وليس ثمة مكان أو وقت بيننا للمزايدة بالمواقف النظرية أو الانفعالية أو الانتهازية أو الاستفزازية. كما أن الإجابات الناجعة لن تتأتى بحسن النوايا فقط، ولكنها تتطلب عملاً جماعياً مضنياً ومستمراً يتناسب حجمه مع حجم المسئولية الضخمة المنوطة بنا من أجل تأمين مستقبل أفضل للأجيال الليبية الناشئة للمشاركة فى مسيرة الحضارة المعاصرة بكل ثقة وإبداع وفاعلية. وهذا لن يتحقق إلا عندما يتمكن أصحاب المصلحة الحقيقية بالداخل من كسر حاجز الرعب، ويأخذوا زمام المبادرة لكى يهبوا دفعة واحدة ضد هذا "الاحتلال الداخلى" الذى أثبت أنه أكثر وأخطر بشاعة وقسوة من أى "استعمار خارجى" عانت ويلاته ليبيا عبر تاريخها الطويل. ولابد لمن يقطنون المنافى أن يوحدوا جهودهم ويسرعوا لمساعدة أهلهم وذويهم بكل ما لديهم من إمكانيات وحضور فى بلدان العالم المختلفة لمضاعفة الضغط على هذا النظام العسكرى القبلى البائد.

ونحن لا ننكر بأن لأحفاد المختار والبارونى والسويحلى والسنوسى وسيف النصر دورهم الوطنى الذى سيقومون به حتماً وعلى أحسن وجه إنصافا لآلاف المناضلين الشهداء الأبرياء، والمغيبين فى غياهب السجون والمقابر الجماعية، والمنفيين فى بقاع الأرض، وكل من تعرض للتعذيب والقهر والاضطهاد والسلب. إن التغيير المنشود للحرية والديمقراطية وسيادة القانون والدستور لن يأت بدون المزيد من التضحيات والعرق ووضع المصلحة الوطنية فوق كل المصالح. كما لا يفوتنا أن ننبههم بعدم الاكتراث كثيرا لما يسمى بالمعارضة فى الخارج، والتى نصفها ينام على رأسه، والنصف الآخر بات يعوّل على قذافى صغير تيمناً بالعائلة الكريمة وحفاظاً على الاستقرار. والفتوى "المباركة" تقول الوطن يحميه الطغيان، والقمع هو أفضل وسيلة لحماية السيادة الوطنية!

انتبهوا لما يحاك ضدكم فى الخفاء، واحترسوا ممن يحاولون حجب الحقيقة بدخان مباخر مصالحة مشبوهة، وأنتم لا تعدمون مخزونكم النضالى الرائع، كما أنكم قادرين على إبداع وسائل مقاومة مدنية تبث الرعب فى أوصالهم، وتقض مضاجعهم، وتنزل البلل على أقدامهم، وتجعلهم يفرون ببقايا فروة رؤوسهم قبل أن يفاجئهم الطوفان.

حولوا همسكم الخافت إلى هدير بالشوارع والبوادى والصحارى، هدير يسحق الظلم والقمع والأصنام.

وليكن عام 2004 عاماً للخلاص من البطش والدكتاتورية..

وعاماً للقصاص من كل من أجرم فى حق الوطن وناسه وسمعته وثروته..

وكل عام جديد وأنتم بخير..

26 ديسمبر 2003م

* عضو مؤسس بمجموعة ألفا

 
جميع الحقوق محفوظة للتحالف الليبى الأمريكى من أجل الحرية. 2003-2006 ©

الموضوعات والمقالات الموقعة بأسماء أصحابها لا تعكس بالضرورة آراء التحالف الليبى من أجل الحرية